في الوحدة، والحوارات الوطنية، والمقاومة الشعبية
خيارات المشاركة
المقالات

فراس صالح | عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
تتناول دراسة «في الوحدة، والحوارات الوطنية، والمقاومة الشعبية»، الصادرة عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات ــــ «ملف»، العدد 113، إعداد ماجدة المصري نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قضية الوحدة الوطنية الفلسطينية بوصفها أحد الشروط الأساسية لاستعادة القدرة على مواجهة الاحتلال ومخططاته، وإعادة بناء الحركة الوطنية على قاعدة الشراكة والديمقراطية. وتنطلق من أن الحالة الفلسطينية تواجه تحديات متراكمة، في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان ومحاولات تفكيك وحدة الشعب والأرض والقضية، إلى جانب استمرار الانقسام الداخلي وما نتج عنه من إضعاف للمؤسسات الوطنية وتراجع في القدرة على بلورة استراتيجية فلسطينية موحدة.
وتؤكد الدراسة أن الوحدة الوطنية ليست مجرد توافق بين الفصائل أو صيغة للمحاصصة السياسية، بل هي عملية لإعادة بناء العلاقات الوطنية على أسس الشراكة والتعددية والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، بما يضمن مشاركة مختلف القوى والمكونات في صنع القرار الوطني. ومن هنا، فإن إنهاء الانقسام يتطلب معالجة أسبابه السياسية والمؤسسية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، بما يعزز دورها كإطار وطني جامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
وتتوقف الدراسة عند مسار الحوارات الوطنية الفلسطينية خلال الأعوام 2011–2024، وما أنتجته من اتفاقات وتفاهمات هدفت إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. وتبين أن المشكلة لم تكن في غياب الاتفاقات أو التفاهمات، بل في ضعف الإرادة السياسية وآليات التنفيذ، الأمر الذي أبقى نتائج الحوارات عرضة للتعطيل والتراجع. كما تتناول محطات الحوار اللاحقة، بما فيها حوار بكين، بوصفها محاولات لتطوير آليات العمل المشترك وتوسيع قاعدة الشراكة الوطنية.
وفي هذا السياق، تبرز الدراسة أهمية الانتقال من الاتفاقات العامة إلى تحديد آليات واضحة للتنفيذ، تضمن مشاركة القوى الفلسطينية في صنع القرار، وتعيد تفعيل الأطر الوطنية المشتركة. وتؤكد أن الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى توافقات قابلة للتطبيق، تعالج الانقسام وتوفر إطاراً سياسياً ومؤسسياً للعمل الوطني المشترك.
كما تناقش الدراسة الانتخابات باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لتجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات، لكنها تشدد على أن الانتخابات وحدها لا تكفي لتحقيق الوحدة الوطنية. فتجارب الانتخابات الفلسطينية السابقة أظهرت أن العملية الديمقراطية، إذا لم تستند إلى توافق وطني يحترم نتائجها وينظم قواعد الشراكة، يمكن أن تتحول إلى عامل جديد للصراع والتعطيل. لذلك، فإن الانتخابات ينبغي أن تكون جزءاً من عملية سياسية ووطنية شاملة، تقترن بإصلاح مؤسسات منظمة التحرير وتوسيع المشاركة السياسية واحترام التعددية.
وفي جانب آخر، تضع الدراسة المقاومة الشعبية في موقع أساسي من استراتيجية العمل الوطني، باعتبارها إحدى الأدوات الضرورية لمواجهة الاحتلال والاستيطان ومخططات الضم والتهجير. وتؤكد أن تطوير المقاومة الشعبية بمختلف أشكالها يرتبط بتوسيع المشاركة الجماهيرية واستعادة دور المجتمع في النضال الوطني، بما يخرج الفعل السياسي من حدود العمل الفصائلي الضيق إلى أوسع مشاركة شعبية منظمة.
وتربط الدراسة بين الوحدة والمقاومة باعتبارهما ركيزتين متكاملتين؛ فالوحدة الوطنية توفر الإطار السياسي والتنظيمي لتعبئة الطاقات الفلسطينية، فيما تشكل المقاومة الشعبية أداة من أدوات الفعل وتغيير موازين القوى. ولذلك، فإن استعادة المبادرة الوطنية تتطلب الجمع بين إعادة بناء المؤسسات، وتفعيل الشراكة، وتطوير الحركة الجماهيرية، بما يعزز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات المفروضة عليه.
وتتأكد أهمية هذه القضايا في ظل التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعه من حرب إسرائيلية واسعة وتداعيات سياسية ووطنية كبرى. وترى الدراسة أن هذه التطورات تفرض إعادة النظر في آليات إدارة الوضع الفلسطيني، والعمل على بلورة رؤية وطنية موحدة تحول دون استثمار الاحتلال وحلفائه لحالة الانقسام، أو فرض ترتيبات سياسية تتجاوز الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وتخلص الدراسة إلى أن استعادة الوحدة الوطنية تمثل المدخل الرئيسي لإعادة بناء عناصر القوة الفلسطينية. فالوحدة المطلوبة ليست وحدة شكلية أو توافقاً مؤقتاً بين القوى، وإنما شراكة وطنية حقيقية تستند إلى برنامج سياسي جامع، ومؤسسات ديمقراطية وفاعلة، واحترام التعددية ونتائج العملية الديمقراطية.
كما تؤكد أن الحوارات الوطنية لا تحقق أهدافها بمجرد الوصول إلى اتفاقات، بل بقدرتها على إنتاج آليات تنفيذ واضحة وإرادة سياسية تحول التوافقات إلى واقع عملي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها، باعتبار ذلك أحد الميادين الأساسية للنضال من أجل استعادة التوازن للحالة الوطنية.
أما الانتخابات، فتطرحها الدراسة كأداة لتجديد الشرعيات وتوسيع المشاركة، لا كغاية مستقلة بذاتها، إذ ينبغي أن تندرج في إطار توافق وطني شامل يحول دون إعادة إنتاج الانقسام، ويضمن احترام نتائجها وإشراك مختلف القوى والمكونات في النظام السياسي.
وفي المقابل، تشدد الدراسة على أن المقاومة الشعبية والحركة الجماهيرية تشكلان عنصراً أساسياً في استعادة زمام المبادرة وفي مواجهة مشروع الاستعمار الاستيطاني. فالمطلوب تطوير أشكال الفعل الشعبي المنظم، وتوسيع مشاركة الجماهير، وربط النضال اليومي من أجل الأرض والحقوق باستراتيجية وطنية شاملة.
وبذلك تقدم الدراسة خلاصة تقوم على معادلة مترابطة: وحدة وطنية حقيقية تقوم على الشراكة والديمقراطية، وحوار وطني ينتقل من الاتفاق إلى التنفيذ، ومؤسسات جامعة تستعيد دورها، وانتخابات تجدد الشرعيات وتحمي التعددية، ومقاومة شعبية وحركة جماهيرية تعززان القدرة على مواجهة الاحتلال.
إن الخلاصة المركزية التي تطرحها الدراسة هي أن مواجهة التحديات الراهنة تستدعي الخروج من منطق الانقسام والتفرد إلى منطق العمل الجماعي، ومن الاكتفاء بإدارة الأزمة إلى استعادة الفعل والمبادرة. فإعادة بناء الوحدة الوطنية، وتفعيل المؤسسات الجامعة، وتوسيع قاعدة الشراكة، وتطوير المقاومة الشعبية، تشكل مجتمعة الطريق نحو تعزيز عناصر القوة الفلسطينية وحماية المشروع الوطني وحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والاستقلال