كلفة الانقسام الفلسطيني وإهدار الفرص
خيارات المشاركة
المقالات

فتحي كليب | عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
في توصيف الواقع الفلسطيني الراهن، لم يعد من الممكن التعامل مع الانقسام باعتباره خلافا سياسيا عابرا بين فصيلين، أو تباينا في البرامج والاجتهادات يمكن تجاوزه بجولة جديدة من الحوار او مبادرة تستعيد ما سبق وطرح سابقا. بعد ان امتد هذا الانقسام، إلى مختلف جوانب الحياة السياسية والمؤسساتية واليومية الفلسطينية، وتحول من حالة مؤقتة إلى واقع له مؤسساته ومصالحه وآلياته وشبكات نفوذه. وبذلك أصبحت معالجته أكثر تعقيدا، فيما تتضاعف كلفته على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
وإن كان الانقسام الفلسطيني في جوهره بين حركتي فتح وحماس، فإن فاتورته الباهظة لم يدفعها فصيل بعينه، بل دفعها الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية برمتها. دفعها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى في قطاع غزة والضفة الغربية، وآلاف العائلات التي فقدت بيوتها وأرزاقها وأحبتها، فيما وُجد بعض أبناء مخيمات لبنان وسوريا أنفسهم أمام موجات جديدة من التهجير، فاصطفوا طوابير أمام أبواب السفارات طلبا للنجاة، وركب آخرون البحر هربا من شبح الجوع والقمع وانسداد الأفق. وهكذا تحول الانقسام من خلاف سياسي إلى جرح وطني مفتوح، أثقل كاهل الفلسطينيين وأضعف قدرتهم على مواجهة التحديات التي تستهدف وجودهم وحقوقهم الوطنية.
لذلك، فالمشكلة ليست نقصا في المبادرات، كي يتسابق هذا وذاك الى طرح افكاره، ظنا منه انه يقدم جديدا. فقد شهدت السنوات الماضية عشرات المبادرات والاتفاقات والتفاهمات والإعلانات، والتي تطرقت بالتفصيل الى معظم القضايا المرتبطة بالانقسام. لكن التجربة أثبتت أن العائق الأساسي لم يكن في معرفة ما ينبغي فعله، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل التوافقات إلى خطوات عملية وملزمة.
وتكمن إحدى أكثر إشكاليات المشهد الفلسطيني تعقيدا في استمرار التعامل مع إنهاء الانقسام من زاوية موازين القوى والمصالح التنظيمية، بدلا من النظر إليه باعتباره حاجة وطنية وضرورة تاريخية. فعندما يصبح الحوار الوطني جزءا من حسابات الربح والخسارة، يتحول إنهاء الانقسام من هدف وطني إلى قضية مرتبطة بموقع كل طرف داخل النظام السياسي، وبما يمكن أن يخسره أو يكسبه من إعادة توحيد المؤسسات والشرعيات. وقد يجعل هذا المنطق المحافظة على الوضع القائم، بالنسبة إلى البعض، أقل كلفة من تغيير قواعد اللعبة السياسية.
اثبتت التجربة التاريخية، بأنه من غير الممكن التعاطي مع إنهاء الانقسام باعتبار ان هدفه إضعاف فصيل وتقوية آخر، ولا أن يقوم على قاعدة منتصر ومهزوم، ففي ظل الانقسام، الجميع مهزومون. والأخطر أن الانقسام الذي بدأ يتحول إلى حالة اعتيادية تتكيف معها القوى السياسية والمؤسسات والمجتمع، نشأت حوله مصالح ومواقع نفوذ وآليات عمل، فأصبح انهائه أكثر كلفة على المستفيدين من استمراره، بينما يدفع الشعب الفلسطيني والقضية الوطنية الثمن الأكبر. وبهذا المعنى، تحول الانقسام من أزمة سياسية إلى أزمة في بنية النظام السياسي.
لا شك أن الواقع الإقليمي والدولي والبيئة المحيطة بالقضية الفلسطينية بمجملها تفرض ضغوطا كبيرة على الجميع، غير أن المشكلة لا تكمن في الضغوط الخارجية وحدها، بل أيضا في واقع فلسطيني داخلي أضعف القدرة على الاستفادة من التحولات الجارية. فالشعب الفلسطيني يمتلك عناصر قوة سياسية وشعبية وقانونية وأخلاقية مهمة، كما تحظى قضيته بحضور دولي وشعبي واسع، وتتيح التحولات في الرأي العام والمواقف السياسية والقانونية فرصا يمكن البناء عليها. لكن هذه العناصر لن تتحول إلى قوة سياسية مؤثرة ما لم تتوافر لها قيادة وطنية موحدة، ورؤية مشتركة، ومؤسسات قادرة على تجميع الطاقات وتوجيهها.
لقد أدى الانقسام إلى تبديد جزء كبير مما كان يمكن تحقيقه، وتحول جانب كبير من الجهد السياسي الفلسطيني من مواجهة التحديات الخارجية إلى إدارة الخلافات الداخلية. وتكشف اربع محطات رئيسية حجم الفرص التي جرى إهدارها، والتي كان يمكن ان تشكل نافذة امل يمكن من خلالها تحقيق انجازات هامة:
أولا: حرب الإبادة في قطاع غزة
شكلت حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، لحظة تاريخية كان يفترض أن تعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية. ففي المنعطفات المصيرية، يفترض أن تتراجع الخلافات الثانوية أمام المخاطر الوجودية التي تهدد فلسطين بأدق تفاصيلها. وكان يمكن لهذه الحرب، أن تشكل نقطة تأسيس جديدة للوحدة الوطنية. وكان يمكن ايضا تحويل المأساة الإنسانية في غزة إلى نقطة التقاء سياسي، بحيث تصبح معاناة الشعب في غزة والضفة الغربية والقدس والشتات حافزا لإعادة توحيد المؤسسات والموقف السياسي، وإعادة تعريف الأولويات الوطنية على أساس مواجهة الاحتلال وحماية الشعب الفلسطيني.. لكن ذلك لم يتحقق.
ثانيا: مخطط الضم وجرائم المستوطنين
يمثل تصعيد جرائم المستوطنين والاعتداءات على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم سياسة إسرائيلية تهدف إلى فرض وقائع جديدة وتوسيع الاستيطان والسيطرة على الأرض. ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن مخططات الضم وإعادة تشكيل الضفة الغربية، بما يقوض مقومات المشروع الوطني الفلسطيني ويهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية فعلية. وكان يفترض أن يشكل هذا الخطر المشترك نقطة التقاء فلسطينية، توحد الجهود السياسية والشعبية والدبلوماسية والقانونية لمواجهته. غير أن واقع الانقسام أضعف القدرة على بلورة استراتيجية وطنية موحدة وفاعلة. في مقابل رؤية اسرائيلية تتحرك بشكل متماسك لفرض الوقائع على الأرض، بينما يفتقد الفلسطينيون إلى إطار وطني قادر على مواجهتها، وهنا تتجلى كلفة الانقسام بشكل واضح.
ثالثا: الانتخابات الشاملة وتجديد الشرعيات
يمثل استحقاق الانتخابات الشاملة، نموذجا لأزمة النظام السياسي الفلسطيني. ولا خلاف جديا حول ضرورة تجديد الشرعيات وإعادة الاعتبار للمؤسسات الديمقراطية والاحتكام إلى الشعب. فالانتخابات ليست إجراء قانونيا فحسب، بل مدخل لإعادة بناء الحياة السياسية، وتجديد الشرعيات، وتعزيز التمثيل، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية. غير أن الانتخابات تحولت في مراحل متعددة إلى خلافات قانونية ودستورية، بدلا من كونها مدخلا لمعالجة الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي..
رابعا: الحرب الشاملة على حق العودة واللاجئين
يبدو واضحا ان مخطط استهداف وكالة الغوث (الأونروا) قد حقق اختراقا في الكثير من التفاصيل، بحيث لم يعد مقتصرا على اضعاف دورها في تقديم الخدمات الإنسانية والإغاثية، بل تجاوز ذلك إلى استهداف قضية اللاجئين وحقوقهم الثابتة، وفي مقدمتها حق العودة. ويكشف هذا التوجه عن مخطط سياسي متكامل يحظى بتأييد كامل على مستوى مختلف مكونات الخارطة السياسية والحزبية في إسرائيل، بما يعكس توافقا واسعا على المساس بدور الوكالة ومكانتها.
وعلى الرغم من حجم هذا الخطر، وما تحظى به وكالة الغوث وقضية اللاجئين من دعم وتأييد سياسي وقانوني متواصل على مستوى الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة، فإن الواقع الفلسطيني لم يتمكن حتى الآن من مواكبة التطورات المتسارعة في هذا السياق، سواء بسبب محدودية القدرة على التأثير والتحرك، أو نتيجة استمرار الانقسام الفلسطيني، وما يترتب عليه من غياب رؤية موحدة وفعل سياسي وشعبي مشترك قادر على مواجهة هذه التحديات والدفاع عن حقوق اللاجئين.
الحقيقة المرة التي تؤكدها الواقائع اليومية، ان المجتمع الدولي والقوى المتضامنة مع الشعب الفلسطيني يخاطبون الفلسطيني يوميا بضرورة امتلاك موقف موحد ورؤية واضحة في مواجهة الرؤية الاسرائيلية، التي لا تستند الى اي مسوغ سياسي او قانون او حتى اخلاقي. ما يؤكد ان استمرار الانقسام يبدد فرص تحويل الحضور والتعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية إلى ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي أكثر فاعلية، ويضع الفلسطينيين في موقع رد الفعل بدلا من موقع التأثير والمبادرة.
اما هذه المعادلة، لا يمكن للفلسطينيين أن يكونوا طرفا فاعلا ومؤثرا في أي ترتيبات سياسية أو إقليمية أو دولية إذا كانوا عاجزين عن إنتاج موقف وطني موحد. كما يصعب المطالبة باحترام الإرادة الوطنية الفلسطينية بينما تبقى هذه الإرادة موزعة بين مراكز وقوى ومؤسسات متنافسة. لذلك، تصبح الوحدة ليست فقط شأنا داخليا، بل شرطا لتعزيز الحضور الفلسطيني وقدرته على التأثير في مسار الأحداث.
إن المدخل الحقيقي لاستعادة المبادرة يبدأ من الداخل الفلسطيني، وهذا يعني أن معالجة الانقسام لا ينبغي أن تقتصر على العلاقة بين سلطتين أو فصيلين، بل يجب أن تمتد إلى إعادة بناء العلاقة بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وبين المجتمع والمؤسسات السياسية، وبين القوى والفصائل والجمهور. فالأزمة باتت أعمق من الانقسام المؤسساتي والسياسي؛ إنها أزمة في بنية النظام السياسي وآليات صنع القرار، وفي قدرة الحركة الوطنية على إنتاج قيادة وطنية موحدة قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه في مختلف الساحات.
لذلك، فإن المطلوب ليس اتفاقات جديدة فحسب، وإنما مسار سياسي وطني لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والديمقراطية والتعددية، بما يضمن مشاركة مختلف القوى والمكونات، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة. غير ان التجربة تكشف أن العائق الاساسي يكمن في غياب القرار السياسي القادر على تنفيذ ما تم التوافق عليه.
فالقضية الفلسطينية تمتلك عناصر قوة مهمة يمكن توظيفها للصالح الوطني العام، لكن هذه العناصر لن تتحول إلى قوة سياسية فاعلة ما لم تجد إطارا وطنيا قادرا على تجميعها وتوجيهها ضمن رؤية واحدة. وبدلا من ان تتحول الازمات الى فرص، تصبح الامور معكوسة في الحالة الفلسطينية. لأن الاشكالية ليست في غياب الفرص التي يمكن استثمارها، بل ان الانقسام يحول الفرص إلى أزمات، والأزمات إلى خلافات، والخلافات إلى مزيد من الانقسام