البرنامج الوطني المرحلي بعيون صلاح الدين الأيوبي
خيارات المشاركة
المقالات

فتحي كليب | مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
يعود مفهوم الاستراتيجية، في أصله التاريخي، الى كونه علم وفن يقود الجيوش ويدير المعارك الميدانية، لكنه شهد تحولا مع اتساع تعقيدات العصر الحديث، فلم يعد محصورا في النطاق العسكري، بل امتد ليشكل ركيزة أساسية للتخطيط الشامل في علوم الإدارة والاقتصاد والسياسات العامة والحركات السياسية. وبات يعني رسم وصياغة رؤى طويلة المدى تحدد الغايات والأهداف الكبرى، وتوجه الإمكانات المتاحة، من موارد بشرية وجغرافيا وطاقات مادية.
وتكمن الأهمية الفعلية للأهداف الاستراتيجية في كيفية التعاطي مع شروط الواقع القائم. فالتمسك المبدئي بالهدف لا يعني القدرة على إنجازه دفعة واحدة، خاصة حين تكون موازين القوى مختلة بشكل كبير لصالح الخصم. والإصرار على الحسم المباشر في مثل هذه الظروف قد يتحول إلى مغامرة تقود إلى هدر الطاقات. هنا تتجلى أهمية «المرحلية والتكتيك»، التي تعني تحويل الاستراتيجية إلى مراحل زمنية متتابعة، بحيث تكون لكل مرحلة أهداف محددة، ويتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى تدريجيا بما يخدم الوصول إلى الهدف النهائي.
وفقا لما سبق، فان المعادلة تصبح: كلما تجاوز الهدف الاستراتيجي قدرة القوى الفاعلة على تحقيقه دفعة واحدة، تزداد الحاجة إلى تقسيمه إلى سلسلة من الأهداف المرحلية المتتابعة والمترابطة. واية إنجازات يتم تحقيقها من شأنها ان تسهم كل مرحلة منها في تعديل موازين القوى، وتعزيز القدرات المتاحة، وتهيئة الظروف السياسية والتنظيمية والميدانية المناسبة للانتقال بثبات وفعالية إلى المرحلة التالية وصولا إلى الهدف الاساسي.
هذا ما تؤكده التجارب الوطنية والتحريرية، التي تبين أن تحقيق الأهداف الكبرى لا يجري عادة عبر مسار مباشر، بل من خلال تراكم مرحلي يتسم بالمرونة والقدرة على قراءة موازين القوى. وفي ظل اختلال هذه الموازين، لا ينظر الى المرحلية كتراجع عن المبادئ أو الأهداف الثابتة، بل كآلية ضرورية للصمود وحفظ القوة وتراكم المكاسب.. تمهيدا لتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق الغايات الاستراتيجية في مراحل لاحقة.
وبناء عليه، تظل المرحلية تعبيرا عن الواقعية السياسية، طالما ظلت خاضعة لبوصلة استراتيجية واضحة ولم تتحول من وسيلة إلى غاية. فالاستراتيجية ترسم الوجهة النهائية، بينما يحدد التكتيك خطوات المسار، بما يتيح تحويل الإنجازات الجزئية والتسويات المؤقتة إلى قاعدة لبناء قوة أوسع وتغيير تدريجي في موازين القوى.
في النظرة إلى التاريخ، نحن أمام تجارب لشعوب عرفت كيف تستفيد من إمكاناتها وتسخرها لخدمة هدف استراتيجي عام، خاصة في ظل عدم القدرة على حسم الصراع دفعة واحدة. وقد أدركت تلك الشعوب أن تحقيق الأهداف الكبرى يتطلب نفسا طويلا، وتراكما في الإنجاز، وحسن إدارة للمراحل، بما يحول الإمكانات المحدودة إلى عناصر قوة متراكمة في مواجهة التحديات. ومن هذه التجارب على سبيل المثال:
توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر: هدفت الحركة القومية الإيطالية إلى توحيد الأراضي الإيطالية وإقامة دولة موحدة، لكن التجزئة والنفوذ الأجنبي أعاقا تحقيق ذلك دفعة واحدة. لذلك اتبعت مسارا تدريجيا، بدأ بتقوية مملكة سردينيا، ثم التحالف مع فرنسا في مواجهة النمسا عام 1859 واستعادة لومبارديا، والسيطرة على صقلية ونابولي، وإعلان مملكة إيطاليا، ثم ضم البندقية وروما.
استقلال الهند: كان الهدف العام للحركة الوطنية الهندية هو الاستقلال وإنهاء الاستعمار البريطاني، لكن اختلال موازين القوى لم تكن تبتحقيق هذا الهدف دفعة واحدة، فكان الخيار هو التدرج في المراحل. فبدأت الحركة بالمطالبة بالحكم الذاتي، ثم الاحتجاجات والمقاطعة لإضعاف النفوذ البريطاني، وصولا إلى حركة «ارحلوا عن الهند»، التي أسهمت، في سياق تراكمي، في الوصول إلى استقلال الهند عام 1947.
جنوب أفريقيا وإنهاء نظام الفصل العنصري: رغم اختلال موازين القوى، واصل المؤتمر الوطني الأفريقي نضاله بهدف تفكيك نظام الفصل العنصري وتحقيق المساواة، معتمدا نهجا متدرجا بدأ ببناء تنظيم الذات وتطوير المقاومة السياسية والجماهيرية، بالتوازي مع حشد الضغط الدولي، وصولا إلى تفكيك نظام الأبارتايد وإجراء أول انتخابات ديمقراطية شاملة عام 1994.
نماذج أخرى: يمكن إيراد عشرات النماذج التاريخية التي تعزز فكرة الربط بين الأهداف الاستراتيجية والخطوات المرحلية اللازمة لتحقيقها بصورة تدريجية وتراكمية. ومنها ما شهدته الولايات المتحدة من تحركات في مواجهة بريطانيا، بدأت بمطالب محددة، كالاعتراض على الضرائب والمطالبة بالحقوق السياسية، ثم تصاعد الاحتجاج والمقاومة المنظمة، وصولا إلى إعلان الاستقلال. وكذلك النموذج الذي قدمته الحركة الصهيونية، التي بلورت مشروعها السياسي قبل عقود من ترجمته واقعا على الأرض، عبر خطوات متدرجة ومتراكمة شملت بناء التنظيمات، وتشجيع الهجرة والاستيطان، وتطوير العلاقات مع القوى والإمبراطوريات الكبرى، وحشد الدعم الدولي، وصولا إلى إقامة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
وتؤكد تجارب حركات التحرر الوطني في العالم أن أيا منها لم يتمكن من تحقيق أهدافه الاستراتيجية دفعة واحدة، بل لجأت معظمها إلى خيارات مرحلية متدرجة في طريق الوصول إلى الهدف النهائي، المتمثل في الاستقلال وإنهاء حقبة الاستعمار والتحرر من هيمنته. وقد فرضت طبيعة الصراع واختلال موازين القوى بين قوى التحرر والقوى الاستعمارية اعتماد سياسات تقوم على التدرج وتراكم الإنجازات، بحيث تتحول كل مرحلة إلى قاعدة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما.
فالمرحلية في تجارب حركات التحرر لم تكن، في جوهرها، تخليا عن الهدف الاستراتيجي أو استبدالا له بهدف أدنى، وإنما كانت آلية واقعية لإدارة الصراع في ظل شروط غير متكافئة، من خلال تحديد ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة، وبناء عناصر القوة، والاستفادة من التحولات السياسية والإقليمية والدولية. وبذلك أصبح الهدف النهائي حصيلة لمسار طويل من الإنجازات المتراكمة التي تسهم في تغيير موازين القوى تدريجيا وتهيئة الشروط السياسية والتنظيمية والشعبية التي تفرض، في نهاية المطاف، تحقيق الاستقلال وإنهاء الاستعمار.
رؤية موازية لاستراتيجية الحلول المرحلية عند صلاح الدين
إن اعتماد الحلول المرحلية لا يستند حصرا إلى اختلال موازين القوى، بل تمليه أيضا طبيعة الهدف المحدد، لا سيما عند عجز الإمكانيات المتوافرة عن تلبية متطلبات المواجهة، أو عند تعدد جبهات الصراع، ناهيك عن التعقيدات الإقليمية والدولية التي تعمل بعكس المراد. من هنا، تغدو المرحلية ضرورة استراتيجية تهدف إلى الاستثمار في بناء الذات وتأهيل المجتمع لمقتضيات المواجهة، وتفادي الاندفاع نحو معارك حاسمة وغير محسوبة قبل استكمال مقومات النجاح الذاتية والموضوعية.
وتجسد التجربة التاريخية للقائد صلاح الدين الأيوبي هذا المفهوم بصورة واضحة؛ إذ لم تقتصر عبقريته على الجانب العسكري، بل تميزت أيضا بحس سياسي رفيع وقراءة واقعية للمرحلة. ففي عام 1169، أدرك أن تحرير بيت المقدس خطوة لم تنضج ظروفها بعد، وأن الوصول إلى هذا الهدف الاستراتيجي يستوجب مسارا تمهيديا متعدد الأركان، يتمثل في:
– ترتيب وتوحيد الجبهة الداخلية، ودمج القوة السياسية والعسكرية لمصر والشام تحت قيادة موحدة، لإدراكه أن الانقسام يشكل عائقا أمام تحقيق الأهداف الكبرى.
– بناء القدرات الذاتية، وتأسيس بنى اقتصادية وعسكرية قادرة على تحمل أعباء معركة قد تكون طويلة.
إضعاف الخصم تدريجيا: من خلال عزله جغرافيا، وقطع إمداداته، واستنزافه في مواجهات متتابعة، حتى تتهيأ الظروف للمعركة الحاسمة.
– تحقيق الانتصارات التراكمية، عبر معارك ومواجهات ساهمت في تحقيق مكاسب مرحلية، أضعفت الخصم، وأفضت في نهاية المطاف إلى حصار القدس وعزلها سياسيا وعسكريا.
وبناء على ذلك، لم تكن المرحلية في استراتيجية صلاح الدين تنازلا عن الهدف الأكبر، بل كانت الخيار الأكثر واقعية ونجاعة لتوفير حاضنة النصر وشروطه الحاسمة. وهنا يكمن سر القيادة الاستراتيجية الناجحة في اختيار منهج عقلاني لبناء القوة، وإدارة الموارد، واختيار التوقيت المناسب، بما يحقق التوازن بين الطموح البعيد والواقعية القريبة.
ليس المقصود من هذا العرض الموجز، إسقاط تجربة تاريخية، قد تكون مختلفة في عناصرها، على الواقع الفلسطيني، وإنما استخلاص منطق استراتيجي عام يمكن مواءمته مع واقع اليوم. ومفاده أنه حين يكون الوصول إلى هدف كبير صعب المنال لأسباب متعددة، فإن الطريق الطويل والشاق يمكن تجزئته إلى مجموعة أهداف مرحلية، يجري خلالها تهيئة المجتمع لما هو قادم، ويعمل خلالها على إضعاف الخصم، والمراكمة على الإنجازات التي يمكن تحقيقها في المحيطين الإقليمي والدولي، ثم الانتقال إلى مستويات أعلى من المواجهة.
وبهذا المعنى، لا تكون المرحلية بديلا عن الهدف النهائي، وإنما وسيلة لتسهيل الوصول إليه وبأقل كلفة ممكنة.
هذا المعنى يتقاطع بصورة واضحة مع فلسفة البرنامج الوطني المرحلي الذي طرحته الجبهة الديمقراطية، قبل أن تتبناه منظمة التحرير الفلسطينية ويتحول إلى برنامج نضالي للشعب الفلسطيني. فقد وضع البرنامج أهدافا يمكن تحقيقها في مرحلة معينة، استنادا إلى موازين قوى كانت تسمح بذلك، انطلاقا من أن ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة ليس نهاية المطاف، بل خطوة تساعد على تحقيق أهداف أكبر في وقت لاحق.
وهنا يمكن فهم العلاقة بين البرنامج المرحلي والوحدة الوطنية بصورة أعمق، وربطها بالاستراتيجية التي اتبعها صلاح الدين الايوبي. فقد كان توحيد القوى وبناء القدرات الذاتية شرطا للانتقال من مرحلة إلى أخرى. وفي التجربة الفلسطينية، لا ينبغي أن تفهم الوحدة الوطنية باعتبارها هدفا تنظيميا مستقلا، وإنما باعتبارها وسيلة لبناء القوة الضرورية لتنفيذ البرنامج الوطني.
لذلك، فإن الاستشهاد بتجربة صلاح الدين لا يقوم على المقارنة بين عصرين وصراعين مختلفين، وإنما على إبراز مبدأ عام في التفكير الاستراتيجي: كلما اتسعت الفجوة بين الهدف النهائي وموازين القوى القائمة، ازدادت الحاجة إلى بناء طريق مرحلي واضح يحول الهدف الكبير إلى مهام محددة، والمهام إلى إنجازات، والإنجازات إلى تراكم في القوة، والتراكم في القوة إلى تغيير في موازين القوى. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى البرنامج المرحلي باعتباره أكثر من مجرد صياغة لمطلب سياسي في مرحلة محددة؛ إنه طريقة في التفكير الاستراتيجي تقوم على إدارة العلاقة بين الهدف والواقع والزمن والقوة.
وهنا تظهر أهمية عدم الخلط بين »المرحلي» و«الجزئي». فالهدف الجزئي قد يكون منفصلا عن الهدف العام، أما الهدف المرحلي فيجب ان يرتبط بعلاقة عضوية بين الحلقة الحالية والحلقات اللاحقة. وهذه النقطة تفسر أهمية تغيير موازين القوى في الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية. فالمرحلية لا تكتفي باستثمار الإمكانات الموجودة، بل تستهدف إنتاج إمكانات جديدة. أي أن الإنجاز المرحلي لا ينبغي أن يكون مجرد نتيجة للنضال، بل يجب أن يصبح بدوره مصدرا لقوة جديدة تمكن من الانتقال إلى مرحلة أعلى.
وهذا هو الفارق بين المرحلية بوصفها استراتيجية للتقدم، والمرحلية بوصفها مجرد إدارة للواقع. ففي الحالة الأولى تكون كل خطوة مرتبطة بالاتجاه العام، وتقاس قيمتها بقدرتها على فتح الطريق أمام الخطوة التالية؛ أما في الحالة الثانية، فقد يتحول الإنجاز الجزئي إلى سقف نهائي، وتنقطع الصلة بين الوسيلة والغاية.
بهذا المعنى، يمكن فهم البرنامج الوطني المرحلي باعتباره محاولة لتحويل الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية من مستوى الشعارات العامة إلى هندسة سياسية متدرجة للنضال، من خلال تحديد ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة، وبناء أوسع تحالف وطني حوله، وتوظيف الإنجاز في تغيير موازين القوى، ثم استثمار هذا التحول للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما. وربما هذا ما يفسر عدم القدرة، في الوقت الراهن، على تحويل إنجازاتنا الكبرى إلى مكاسب سياسية مستثمرة، كون النظام السياسي الحالي لم يبن على أساس استراتيجية واضحة تربط بين الهدف العام والأهداف المرحلية.
لقد شكل البرنامج الوطني المرحلي أحد أبرز التحولات في تطور الفكر السياسي والاستراتيجي للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، كما مثل أحد أهم إسهامات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في إعادة صياغة العلاقة بين الأهداف الوطنية ووسائل تحقيقها. فقد جاء في سياق اختلال كبير في موازين القوى، وتشتت الشعب الفلسطيني، واستمرار الاحتلال واللجوء وغياب السيادة الوطنية. ومن هنا برزت الحاجة إلى صياغة استراتيجية لا تتخلى عن الأهداف الوطنية، وفي الوقت نفسه تراعي الواقع السياسي والميداني وقدرة الحركة الوطنية على تحقيق الإنجازات بصورة تدريجية.
إن الخلفية التي حكمت استراتيجية صلاح الدين الأيوبي في قراءته للواقع الذي عاشه، تتقاطع، من حيث المبدأ، مع الواقع الذي نشأ في أعقاب النكبة الفلسطينية الكبرى. فقد واجه الشعب الفلسطيني كيانا إسرائيليا مدعوما من قوى دولية كبرى، الأمر الذي دفع قوى فلسطينية إلى التفكير بصورة واقعية في أن تحقيق الأهداف الوطنية بصورة شاملة وفورية لم يكن ممكنا في ظل الظروف القائمة. ولم يكن البديل عن ذلك التخلي عن الهدف الوطني، بل اعتماد مسار مرحلي وتراكمي يحافظ على الحقوق الوطنية، ويحول الإنجازات الجزئية إلى قواعد تبنى عليها مراحل لاحقة.
وفي هذا السياق، تبلورت عناصر البرنامج المرحلي داخل الجبهة الديمقراطية، قبل أن تنتقل إلى الإطار الفلسطيني الأوسع، وصولا إلى إقرار المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الثانية عشرة عام 1974، برنامج النقاط العشر، الذي أصبح لاحقا أحد أهم الأسس التي استند إليها الإجماع الوطني الفلسطيني.
واستنادا إلى ذلك، يقوم البرنامج المرحلي، في أبسط تعريف له، على الجمع بين ثبات الحقوق الوطنية ومرحلية الطريق إلى تحقيقها. ويتمثل الهدف المباشر في تحقيق حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس.
واذا كانت المرحلية لا تعني التخلي عن الأهداف الوطنية الأوسع، بل التعامل مع الواقع وموازين القوى بصورة تدريجية، بحيث يصبح كل إنجاز قاعدة للإنجاز اللاحق، فإن منطق الأمور كان يحتم تقييم الخطط المرحلية بصورة دورية، والاستفادة من المرحلة السابقة، والبناء على ما تحقق فيها، وتجاوز ما أظهرته التجربة من ثغرات أو أخطاء. وهذا ما يشبه الخطط الخمسية والعشرية التي أصبحت من بديهيات العمل الحكومي، حيث لا تبدأ كل خطة من نقطة الصفر، بل تنطلق من تقييم ما سبقها، ومراجعة النتائج، واستخلاص الدروس والعبر.
ان العمل الوطني الفلسطيني، يحتاج، في ظل تعقيد الظروف وتعدد التحديات، إلى رؤية استراتيجية واضحة تتكامل فيها المراحل وتتراكم نتائجها، بدلا من أن تبقى كل مرحلة منفصلة عن الأخرى. وهنا تكمن أهمية الشراكة الوطنية في رسم القرار الفلسطيني، والتي تستوجب، في الوقت نفسه، تقييم المراحل النضالية والاستفادة من التجربة، بما يسمح بتجاوز سلبياتها والمراكمة على ما أثبتت التجربة صحته. فالتقييم ليس ترفا سياسيا، ولا مراجعة تهدف إلى تحميل المسؤوليات، بل شرط أساسي لتطوير الأداء وتصويب المسار، وضمان تحول التجربة الوطنية إلى معرفة متراكمة تساعد في اتخاذ قرارات أكثر واقعية وفاعلية في المراحل اللاحقة.
في ضوء ما سبق، يبدو أن النقاش السياسي العام في الساحة الفلسطينية لا يزال يفتقر إلى قراءة تستند بصورة كافية إلى معايير منطقية ودروس التجربة التاريخية. فقد تعرض البرنامج الوطني المرحلي، على وجه الخصوص، إلى قدر كبير من التشويه وسوء التفسير، بحيث جرى الربط بينه وبين اتفاق أوسلو، باعتبار أن الأخير جاء امتدادا طبيعيا له، في حين أن هناك فرقا جوهريا بين البرنامج المرحلي والسياسات التي أفضت إلى أوسلو.
فالبرنامج المرحلي لم يكن مجرد مشروع لتسوية سياسية، كما حاول البعض تصويره، وإنما كان في جوهره برنامجا نضاليا يقوم على بناء أدوات المواجهة الشعبية، والتهيئة للانتفاضة الشاملة ضمن إطار الحرب الشعبية، بما يسهم في توحيد الشعب الفلسطيني وتوفير الغطاء السياسي للعمل العسكري، كما شكل أحد الأسس التي عززت حضور منظمة التحرير الفلسطينية وحصولها على اعتراف عربي ودولي واسع.
إن المشكلة الأساسية في الفكر السياسي الفلسطيني ليست غياب الأفكار، بل العجز المتكرر عن تحويل الإرث التاريخي والنضالي إلى نظرية سياسية متماسكة وقابلة للتجدد. فالشعب الفلسطيني يمتلك إرثا سياسيا وفكريا غنيا راكمته عقود طويلة من المقاومة والنضال، وأسهمت الثورة الفلسطينية المعاصرة، على امتداد عقود، في ترسيخ القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب يناضل من أجل حقوقه الوطنية.
إلا أن الإشكالية الراهنة تتمثل في استمرار العجز عن صياغة استراتيجية نضالية وطنية متوافق عليها، تستفيد من دروس التجربة وتستجيب للتحولات السياسية. لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يبدأ من الصفر: «أي مشروع وطني نريد؟»، بل من كيفية تطوير ما راكمته التجربة وتحويله إلى رؤية واستراتيجية أكثر فاعلية ووحدة.
يبدو واضحا أن هناك تراجعا مقلقا في إنتاج الفكر السياسي الفلسطيني، مقارنة بما حفلت به الساحة الفلسطينية خلال السنوات الأولى لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، حين شهدت تلك المرحلة حيوية فكرية وسياسية أسهمت في بلورة الرؤية الوطنية وصياغة البرامج والخيارات الاستراتيجية. وقد أتاح هذا التراجع، بروز مشاريع سياسية خاصة بالمكونات والفصائل، بحيث بات كل طرف ينظر إلى برنامجه باعتباره الخيار الأصح والأكثر قدرة على مواجهة المشروع السياسي للطرف الآخر، بدلا من النظر إلى البرنامج الوطني باعتباره الإطار الجامع الذي ينبغي تطويره والبناء عليه.
واللافت أن الفلسطينيين يمتلكون مشروعا وطنيا جرى التوافق عليه فصائليا وشعبيا، وحظي كذلك بدرجات مهمة من الاعتراف الدولي، وهو إنجاز سياسي ليس من السهل الوصول إليه أو إعادة إنتاجه في الظروف الراهنة، وهو لا زال البرنامج الاكثر قبولا من الشعب الفلسطيني بمختلف فئاته وتياراته المختلفة.
ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن في إنتاج مشروع وطني جديد، بقدر ما يكمن في إعادة إحياء هذا المشروع وتطوير أدواته وتجديد الفكر السياسي الذي يستند إليه، بما يجعله قادرا على الاستجابة للتحولات المتسارعة واستيعاب التباينات الداخلية، وتحويل التنوع الفصائلي من مصدر للتنافس على البرامج إلى مصدر لإغناء المشروع الوطني وتطويره