الاحتلال في مواجهة ذاته… تآكل المشروع الصهيوني وسقوط أسطورة الأمن
خيارات المشاركة
المقالات

فراس صالح | عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
لم تعد الأزمة التي تعصف بدولة الاحتلال مجرد أزمة حكومة أو خلاف بين ائتلاف ومعارضة، ولا هي نتاج حرب طويلة أو تداعيات معركة عسكرية لم تحقق أهدافها. إن ما تشهده إسرائيل اليوم هو أزمة بنيوية تضرب الأسس التي قام عليها المشروع الصهيوني منذ أكثر من سبعة عقود، وتعيد طرح السؤال الذي حاولت الحركة الصهيونية تجاوزه بالقوة العسكرية والدعم الغربي: هل يستطيع المشروع الاستيطاني الإحلالي أن يؤسس استقراراً دائماً فوق أرض شعب آخر؟
إن التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الإسرائيلية، وفي مقدمتها معهد أبحاث الأمن القومي، لا تكمن أهميتها في الأرقام التي تعرضها، بل في اعترافها الضمني بأن معادلات الأمن القومي الإسرائيلي دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها قادرة على إنتاج الأمن أو ضمان الاستقرار. فبعد عقود من بناء العقيدة الأمنية على نظرية «الجدار الحديدي»، التي صاغها زئيف جابوتنسكي وقامت على إخضاع الشعب الفلسطيني وكسر إرادته عبر التفوق العسكري، تكتشف المؤسسة الإسرائيلية أن الجدار الأكثر هشاشة ليس ذاك الذي يواجه الفلسطينيين والعرب، وإنما الجدار الداخلي الذي بدأ يتصدع تحت وطأة الانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
لقد راهنت الحركة الصهيونية على أن التفوق العسكري سيخلق مجتمعاً متماسكاً، وأن الاحتلال سيبقى منخفض الكلفة، وأن الدعم الأميركي والغربي سيظل ثابتاً مهما ارتكبت إسرائيل من جرائم. إلا أن حرب الإبادة المتواصلة ضد شعبنا الفلسطيني قلبت هذه المعادلات رأساً على عقب. فبدلاً من استعادة الردع، وجدت إسرائيل نفسها غارقة في حرب استنزاف مفتوحة، تستنزف جيشها واقتصادها، وتعمق أزماتها الداخلية، وتدفع بها إلى عزلة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة.
إن أخطر ما تكشفه القراءة الإسرائيلية الراهنة هو انتقال مركز التهديد من الخارج إلى الداخل. فالمجتمع الإسرائيلي يعيش اليوم انقساماً حاداً حول طبيعة الدولة، وحدود سلطات القضاء، ومستقبل الديمقراطية، والعلاقة بين الدين والدولة، وأعباء الخدمة العسكرية، وتوزيع الثروة، ومكانة الحريديم، إضافة إلى اتساع الهوة بين النخب الاقتصادية والعسكرية من جهة، وقوى اليمين الديني والقومي المتطرف من جهة أخرى.
ولم تعد هذه التناقضات مجرد خلافات سياسية قابلة للاحتواء، بل تحولت إلى أزمة تمس شرعية النظام نفسه. ولذلك، لم يعد مستغرباً أن يضع الخبراء الإسرائيليون خطر الانقسام الداخلي في مرتبة تضاهي المخاطر العسكرية التقليدية، لأنهم يدركون أن الجيوش لا تنتصر إذا فقد المجتمع الذي يقف خلفها تماسكه وثقته بمؤسساته.
وفي المقابل، تتراجع المكانة الدولية لدولة الاحتلال بوتيرة متسارعة. فجرائم الحرب التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، وسياسات التجويع والتطهير العرقي والتدمير المنهجي، لم تعد تمر دون محاسبة سياسية وأخلاقية. لقد تبدلت صورة إسرائيل في الرأي العام العالمي، وارتفعت الأصوات المطالبة بفرض العقوبات عليها، ومقاطعتها، وملاحقة قادتها أمام القضاء الدولي، بينما أخذت تتآكل الرواية الصهيونية التي طالما قدمت إسرائيل باعتبارها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
ولا يقل خطورة عن ذلك ما يعتري العلاقة مع الولايات المتحدة من تحولات. فرغم استمرار الدعم العسكري والسياسي، فإن النقاش داخل مراكز القرار الأميركية بات أكثر صراحة في التساؤل عن الكلفة الاستراتيجية للارتباط غير المشروط بسياسات حكومة إسرائيل، خصوصاً في ظل تنامي التنافس الدولي، واتساع مساحة الرفض الشعبي الأميركي للحرب، وتزايد الأصوات داخل الحزب الديمقراطي التي تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة.
أما اقتصاد الاحتلال، الذي شكّل لعقود أحد أعمدة القوة الصهيونية، فقد بدأ يدخل مرحلة من الضغوط البنيوية. فالحرب المستمرة، وتضخم الإنفاق العسكري، وتراجع الاستثمارات، وهجرة العقول والكفاءات، وتفاقم أزمة التجنيد والعمل، كلها مؤشرات على أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يعد قادراً على حمل أعباء مشروع توسعي مفتوح بلا سقف سياسي أو زمني.
غير أن الخطأ سيكون في قراءة هذه الأزمة بوصفها مقدمة لانهيار وشيك لدولة الاحتلال. فالدولة الاستعمارية، حين تدخل مرحلة الأزمة، لا تصبح أقل عدوانية، بل غالباً ما تلجأ إلى تصدير أزماتها نحو الخارج. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الحروب، وتصعيد الاستيطان، وفرض الوقائع على الأرض، لأنها أدوات يستخدمها اليمين الفاشي لإعادة إنتاج التماسك الداخلي عبر التخويف الدائم من «العدو الخارجي».
ومن هنا أيضاً، فإن الرهان الفلسطيني لا يجوز أن يقوم على انتظار تفكك المجتمع الإسرائيلي من تلقاء نفسه، بل على بناء عناصر القوة الفلسطينية القادرة على تعميق مأزق الاحتلال وتحويل أزمته إلى هزيمة سياسية واستراتيجية. وهذا يتطلب إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الداخلية على أساس برنامج وطني جامع، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفق مبدأ الشراكة والديمقراطية، وتنفيذ قرارات الإجماع الوطني، وتصعيد المقاومة الشعبية الشاملة، وتوسيع المواجهة القانونية والدبلوماسية لعزل الاحتلال ومحاسبته على جرائمه.
إن الأزمة التي يعيشها المشروع الصهيوني تعبير عن تناقض تاريخي بين مشروع استعماري إحلالي يسعى إلى فرض وجوده بالقوة، وبين شعب فلسطيني يواصل نضاله دفاعاً عن أرضه وحقوقه الوطنية. وقد أثبت التاريخ أن الاحتلال يستطيع إطالة أمد الصراع، لكنه لا يستطيع إلغاء حقوق الشعوب أو كسر إرادتها.
إن ما يتآكل اليوم ليس مجرد صورة إسرائيل أو حكومتها أو توازناتها الحزبية، بل أحد أهم الأساطير التي قامت عليها الحركة الصهيونية: أسطورة الأمن المطلق الذي تصنعه القوة. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تمنح الشرعية لاحتلال، ولا أن توفر الاستقرار لمشروع يقوم على إنكار وجود شعب آخر وحقوقه.
ويبقى الدرس الأهم أن مستقبل الصراع لن يُحسم بميزان القوة العسكرية وحده، بل بميزان الإرادة السياسية، والقدرة على الصمود، ووحدة الشعب الفلسطيني، وتصاعد العزلة الدولية لدولة الاحتلال. وكلما تعمقت أزمة المشروع الصهيوني، ازدادت مسؤولية الحركة الوطنية الفلسطينية في تحويل هذا التآكل إلى مكسب سياسي، يقرّب شعبنا من انتزاع حقوقه الوطنية كاملة، وفي مقدمتها العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس