قضية اللاجئين الفلسطينيين: ازدادت المخاطر .. فتراجع الدور العربي
خيارات المشاركة
المقالات

فتحي كليب | عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
تعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين واحدة من اهم مكونات القضية الفلسطينية، وهي في الوقت نفسه قضية تتجاوز الإطار الفلسطيني لتطال عددا من الأطراف العربية والإقليمية والدولية. فالتطورات المتتالية التي طرأت على مختلف مكونات هذه القضية، سواء ما يتعلق بحق العودة، أو أوضاع اللاجئين، أو دور وكالة الأونروا ومستقبلها، أو المشاريع والمبادرات السياسية التي تتناول مصير اللاجئين، تجعل منها ملفا شديد الحساسية والتعقيد. ولا يمكن فصل هذه التطورات عن التحولات التي يشهدها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، خصوصا أن أي تغيير في مقاربة قضية اللاجئين يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على مجمل عناصر التسوية السياسية ومستقبل القضية الفلسطينية.
وتكتسب الدول العربية التي تستضيف اعدادا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين أهمية خاصة، باعتبارها معنية بصورة مباشرة بأي تطور يتعلق بمستقبلهم او بوضعهم القانوني والسياسي والإنساني. ولا نقاش ان هذه الدول تحملت، على مدى عقود، اعباء كبيرة نتيجة استمرار قضية اللجوء، واصبحت أوضاع اللاجئين جزءا من واقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ولذلك، فان اي محاولات لفرض حلول تتعلق بالتوطين او إعادة توزيع اللاجئين أو الانتقاص من حق العودة، لا يمكن أن تناقش بمعزل عن مواقف الدول المضيفة ومصالحها واستقرارها الداخلي. كما أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي يعيشها اللاجئون تضيف بعدا جديدا للمسألة، وتجعل استمرار الدعم العربي والدولي لهم، والحفاظ على دور الأونروا، مسألة ذات أهمية سياسية وإنسانية في آن واحد.
من هنا، فإن التطورات التي تشهدها قضية اللاجئين تستدعي مقاربة فلسطينية وعربية أكثر تنسيقا وتعاونا، بحيث لا يتم التعامل مع كل عنصر من عناصر القضية بمعزل عن الآخر، ولا مع كل تطور باعتباره مجرد حدث منفصل. فالمطلوب هو الحفاظ على الطابع السياسي والوطني والقانوني لقضية اللاجئين، وفي مقدمة ذلك التمسك بحق العودة، بالتوازي مع معالجة الأوضاع الإنسانية والمعيشية الصعبة التي يعيشها اللاجئون. كما أن الدول العربية المعنية، ولا سيما الدول المضيفة، تبدو مدعوة إلى بلورة موقف مشترك يحمي مصالحها ويحافظ في الوقت نفسه على الحقوق الوطنية الفلسطينية، بما يمنع تحويل الأزمات الإنسانية أو الاقتصادية إلى مدخل لفرض حلول سياسية تنتقص من جوهر قضية اللاجئين أو تساهم في تصفيتها.
ورغم أن وكالة الأونروا تعرضت خلال السنوات الماضية لهزات كبيرة، نتيجة الضغوط السياسية والمالية المتواصلة التي تمارس عليها، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ومحاولات تقليص دورها وإضعاف قدرتها على القيام بالمهام التي انشئت من اجلها، فإن رد فعل الأطراف المعنية مباشرة بهذا الملف، سواء تعلق الأمر بمنظمة التحرير الفلسطينية أو بالدول العربية المضيفة للاجئين، لم يرتق بعد الى مستوى خطورة التحديات المطروحة. فالتعامل مع هذه الضغوط بقي، في كثير من الأحيان، محصورا في إطار المواقف السياسية العامة والبيانات والتأكيد على أهمية استمرار الأونروا، من دون الانتقال إلى بناء آليات ضغط وتحرك سياسي ودبلوماسي واقتصادي قادرة على مواجهة محاولات إضعاف الوكالة أو تغيير وظيفتها ودورها.
وبعيدا عن الدعم السياسي العام، لا يبدو أن منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية المضيفة قد امتلكت حتى الآن استراتيجية عمل مشتركة ومتكاملة، تجمع بين الدفاع عن الأونروا باعتبارها عنوانا سياسيا وقانونيا لقضية اللاجئين، والدفاع في الوقت نفسه عن المصالح المباشرة للدول المضيفة واللاجئين على حد سواء. فالمسألة لا تتعلق فقط بضمان استمرار الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية التي تقدمها الوكالة، بل تتصل أيضا بمنع تحويل أزمتها المالية إلى أداة سياسية لإعادة تعريف قضية اللاجئين أو فرض ترتيبات تتجاوز حق العودة. كما أن استمرار تراجع دور الأونروا من دون وجود بدائل واضحة ومدروسة يحمل الدول المضيفة أعباء إضافية، ويجعلها أكثر عرضة لضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية، الأمر الذي يفترض أن يدفعها إلى التعامل مع مستقبل الوكالة باعتباره جزءا من مصالحها الوطنية المباشرة، وليس مجرد ملف فلسطيني.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى صناعة الفعل نفسه، وهذا ممكن عبر بناء استراتيجية فلسطينية – عربية مشتركة تجاه الأونروا وقضية اللاجئين، تقوم على توحيد المواقف والتحركات، وتوزيع الأدوار بين منظمة التحرير والدول العربية المضيفة، واستثمار العلاقات الدولية لكل طرف في الدفاع عن استمرار الوكالة وولايتها، والعمل على تأمين مصادر تمويل مستقرة ومستدامة لها. والأهم أن يجري الربط بصورة واضحة بين الدفاع عن الأونروا والدفاع عن حق العودة، بحيث لا يسمح بتحويل الأزمة المالية أو الإدارية للوكالة إلى مدخل لتصفية قضية اللاجئين أو إفراغها من مضمونها السياسي والقانوني. فالمطلوب ليس فقط إنقاذ الأونروا من أزماتها المتلاحقة، وإنما حماية الوظيفة السياسية التي تمثلها في النظام الدولي، والحفاظ على قضية اللاجئين باعتبارها قضية حقوق وطنية وتاريخية، وفي الوقت نفسه حماية مصالح الدول والمجتمعات التي تستضيف اللاجئين منذ عقود.
إن البديل عن حق العودة، في جوهره، هو التوطين، والبديل عن استمرار الأونروا ودورها هو تحميل القطاع العام في الدول المضيفة مسؤوليات وأعباء إضافية تتصل بالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والإغاثية وغيرها. ومن هذه الزاوية، فإن الدول العربية المضيفة ليست طرفا ثانويا وثانويا أو متفرجا على ما يجري في قضية اللاجئين، بل هي معنية بصورة مباشرة بالدفاع عن مصالحها الوطنية، إلى جانب دفاعها عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. فأي تغيير في طبيعة قضية اللاجئين أو في وضعهم القانوني والسياسي، وأي تراجع في دور الأونروا، ستكون له انعكاسات مباشرة على هذه الدول، سواء من الناحية الاقتصادية والاجتماعية أو لجهة الاستقرار الداخلي وتركيبة المجتمعات والعلاقات بين الدولة والمجتمع. وبالتالي، فإن من مصلحة الدول المضيفة أن ترفع مستوى حضورها السياسي والدبلوماسي، وأن تضع هذه المخاطر أمام الدول الكبرى والقوى الدولية المؤثرة، باعتبارها قضايا تمس مصالحها الوطنية المباشرة، وليس باعتبارها مجرد امتداد للموقف الفلسطيني.
لذلك، فإن الدفاع عن حق العودة والحفاظ على الأونروا لا ينبغي أن ينظر إليهما باعتبارهما مسؤولية فلسطينية فقط، بل باعتبارهما أيضا جزءا من منظومة المصالح العربية، وخصوصا مصالح الدول المضيفة. فإذا جرى إضعاف الأونروا بصورة متعمدة أو تدريجية، فإن جزءا كبيراً من وظائفها ومسؤولياتها سينتقل حكما إلى الدول المضيفة والى السلطة الفلسطينية، بما يعني تحميل قطاعاتها العامة أعباء مالية وإدارية واجتماعية متزايدة، في وقت تعاني فيه معظم هذه الدول أصلا من أزمات اقتصادية وضغوط داخلية. وبالمثل، فإن الدفع باتجاه التوطين أو إسقاط حق العودة لا يمثل فقط تنازلا عن أحد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، بل يفتح الباب أمام ترتيبات ديموغرافية وسياسية طويلة الأمد قد تكون لها تداعيات عميقة على الدول والمجتمعات المضيفة. لذلك، فإن توحيد الموقف الفلسطيني مع مواقف الدول العربية المعنية، وتحويل هذه القضية إلى ملف سياسي مشترك، يمكن أن يشكل عاملا أساسيا في مواجهة الضغوط والمشاريع التي تستهدف إعادة صياغة قضية اللاجئين.
وإذا تم التسليم بما يجري الترويج له في بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية حول مستقبل القضية الفلسطينية والدور الإسرائيلي المستقبلي في المنطقة، فإن المسألة لا تتوقف عند حدود تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنما تتصل أيضا بمستقبل المنطقة العربية واستقرار دولها وسيادتها. فقبول إعادة تعريف القضية الفلسطينية وفق رؤية تقوم على إضعاف حقوق الشعب الفلسطيني وتوسيع الدور الإسرائيلي السياسي والأمني والاقتصادي في الإقليم، قد يؤدي إلى إنتاج واقع إقليمي جديد تكون تداعياته أكبر من حدود الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. وفي هذه الحالة، فإن أكثر المتضررين، بعد الشعب الفلسطيني، ستكون الشعوب والدول العربية التي قد تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة على سيادتها وقرارها الوطني واستقرار أوضاعها الداخلية. ولهذا، فإن الدفاع عن فلسطين وحق العودة والأونروا لا ينبغي أن يفصل عن الدفاع عن الأمن القومي العربي ومصالح الدول العربية، وهو ما يستدعي موقفا عربيا أكثر وضوحا وفاعلية، يقوم على إدراك أن ما يجري في فلسطين ليس ملفا منفصلا عن مستقبل المنطقة، وإنما أحد العوامل الأساسية التي ستحدد شكل النظام الإقليمي العربي في المرحلة المقبلة.
ومع الإقرار بأن الدول العربية، ومنذ سنوات، تواجه مشكلات وأزمات كبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، الأمر الذي جعل قضية اللاجئين الفلسطينيين تتراجع، في كثير من الأحيان، إلى مراتب متأخرة في سلم الاهتمامات العربية، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أن استمرار تجاهل هذا الملف قد يفتح الباب أمام تطورات يصعب احتواؤها لاحقا. فالقضية لم تعد محصورة في أوضاع اللاجئين وخدمات الأونروا، وإنما باتت ترتبط بمسائل سياسية تتصل بحق العودة، ومستقبل القضية الفلسطينية، وطبيعة المنطقة العربية في السنوات المقبلة. وقد أكدت تجارب التاريخ أن الفلسطينيين والعرب، عندما تتوفر الإرادة السياسية والتنسيق الفعلي، قادرون على مواجهة وإفشال العديد من المخططات التي تتعارض مع مصالحهم الوطنية، وأن التحدي الأساسي لا يكمن دائما في قوة المشروع المقابل، بقدر ما يكمن في غياب المبادرة ووحدة الموقف والقدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى سياسات عملية.
لذلك يصبح مطلوبا، وقبل فوات الأوان، تفعيل آليات التنسيق الفلسطيني – العربي حول قضية اللاجئين، ولكن بعيدا عن صيغ العمل التقليدية التي أثبتت محدودية قدرتها على التأثير، ومن بينها الاكتفاء بمؤتمرات أو اجتماعات دورية على شاكلة مؤتمر المشرفين على شؤون اللاجئين في إطار جامعة الدول العربية. فطبيعة التحديات الراهنة تتطلب مستوى مختلفا من التنسيق، يقوم على التواصل السياسي المستمر، وتبادل المعلومات والتقديرات، وتنسيق المواقف في المؤسسات الدولية، وتحديد الأولويات والمصالح المشتركة، وتوزيع الأدوار بين منظمة التحرير والدول العربية المضيفة والدول العربية الأخرى. كما أن المطلوب، الآن بشكل خاص، الانتقال من التعامل مع قضية اللاجئين باعتبارها ملفا إغاثيا أو إداريا إلى التعامل معها باعتبارها ملفا سياسيا واستراتيجيا يمس الأمن الوطني للدول المضيفة، والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ومستقبل النظام الإقليمي العربي.
وتزداد أهمية هذا الأمر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن طبيعة المخطط الأمريكي – الإسرائيلي المطروح اليوم تبدو مختلفة عن العديد من المحاولات السابقة، سواء من حيث الحيثيات السياسية التي يجري تقديمها لتبريره، أو من حيث اتساع رقعة الدول والأطراف التي يمكن أن تكون معنية به بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو من حيث مستوى القوة والنفوذ اللذين يجري توظيفهما لفرض وقائع جديدة في المنطقة. ومن هنا، فإن الاكتفاء بانتظار ما ستؤول إليه التطورات أو الاكتفاء بإصدار المواقف الرافضة لم يعد كافيا. فقد بتنا بحاجة لبناء مقاربة فلسطينية – عربية استباقية، تضع سيناريوهات واضحة للتعامل مع التطورات، وتحدد المصالح التي ينبغي حمايتها، وتوظف الإمكانات السياسية والدبلوماسية والقانونية المتاحة، بما يحول دون فرض وقائع جديدة على الفلسطينيين والدول المضيفة. فالمعركة على مستقبل قضية اللاجئين ليست معركة فلسطينية منفردة، وإنما هي معركة تتقاطع فيها الحقوق الوطنية الفلسطينية مع المصالح والسيادة والاستقرار العربي، الأمر الذي يجعل التنسيق المشترك ضرورة سياسية لا تحتمل المزيد من التأجيل