انخفاض الدولار والاقتصاد الفلسطيني.. الرابح والخاسر
خيارات المشاركة
المقالات

سمير ابو مدللة | عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
لا تتحرك العملات في عالم الاقتصاد بمعزل عن حياة الناس، فكل صعود أو هبوط في قيمة الدولار الأمريكي، العملة الأكثر تأثيرا في التجارة والمال العالميين، يترك بصماته على أسعار السلع وحركة الأسواق ومستويات الادخار والاستثمار.
ومع تراجع الدولار خلال الفترة الأخيرة أمام عدد من العملات الرئيسية وكذلك أمام الشيكل الإسرائيلي، يبرز سؤال مشروع في الساحة الفلسطينية: هل يحمل هذا الانخفاض فرصة لتحسين الأوضاع الاقتصادية أم أنه مجرد متغير عالمي محدود الأثر في اقتصاد يرزح تحت أعباء استثنائية؟
يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في فلسطين، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية مع القيود السياسية ويعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الاستيراد في ظل غياب عملة وطنية وسيادة نقدية مستقلة.
لذلك فإن أي تغير في قيمة الدولار لا يُقرأ فقط من زاوية أسعار الصرف بل من زاوية انعكاساته على حياة المواطنين والقطاع الخاص والاقتصاد ككل.
ومن الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي انخفاض الدولار إلى تراجع تكلفة السلع المستوردة المسعرة به، وهو ما يمنح المستوردين فرصة للحصول على البضائع والمواد الخام بأسعار أقل. وقد ينعكس ذلك إيجابا على أسعار بعض السلع في الأسواق المحلية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بالأسواق العالمية.
غير أن الواقع الفلسطيني لا يخضع دائما للقواعد الاقتصادية التقليدية بسبب الحالة التي تفرضها القيود. فجزء كبير من الواردات الفلسطينية يمر عبر السوق الإسرائيلية ويتأثر بحركة الشيكل أكثر من تأثره بالدولار، كما أن تكاليف النقل والتأمين والقيود المفروضة على التجارة تحد من انتقال أي انخفاض في التكلفة إلى المستهلك النهائي. لذلك قد لا يلمس المواطن الفلسطيني أثرا واضحا لتراجع الدولار بالقدر الذي تتوقعه النظريات الاقتصادية.
وفي المقابل، قد يستفيد بعض المستوردين من انخفاض تكاليف الشراء، إلا أن هذه الاستفادة تبقى مشروطة بقدرتهم على إدارة مخاطر تقلبات أسعار الصرف، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تسود الاقتصاد العالمي.
كما أن التجار الذين يمتلكون مخزونا تم شراؤه عندما كان الدولار أقوى قد يواجهون ضغوطا إضافية نتيجة المنافسة مع بضائع جديدة أقل تكلفة.
أما على صعيد الأسر الفلسطينية، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا، فآلاف العائلات تعتمد على التحويلات المالية من الخارج وأغلبها من دول ترتبط تعاملاتها بالدولار.
ومع استمرار تراجع العملة الأمريكية، تتأثر القيمة الحقيقية لهذه التحويلات، ما ينعكس على القدرة الشرائية للأسر التي تعتمد عليها كمصدر أساسي للدخل.
كذلك فإن المدخرات المقومة بالدولار لم تعد تتمتع بالمستوى ذاته من الجاذبية الذي كانت تحظى به في فترات سابقة، الأمر الذي قد يدفع بعض الأفراد والمستثمرين إلى إعادة توزيع مدخراتهم بين العملات المختلفة أو البحث عن أدوات استثمارية أكثر قدرة على الحفاظ على القيمة.
ومن زاوية أخرى، قد يستفيد الموظفون والمواطنون المقترضون بالدولار بينما يتقاضون رواتبهم بالشيكل، إذ إن انخفاض سعر صرف الدولار يخفف من قيمة الأقساط والالتزامات المالية عند تحويلها من الشيكل إلى الدولار، ما يقلل العبء المالي عليهم ويمنحهم هامشا أكبر في الإنفاق أو الادخار.
في المقابل، يتضرر الموظفون العاملون في المؤسسات الدولية أو الجهات التي تدفع رواتبها بالدولار، خاصة إذا كانت نفقاتهم اليومية والتزاماتهم المحلية بالشيكل، حيث تنخفض القيمة الفعلية لرواتبهم عند تحويلها إلى العملة المتداولة في السوق المحلية.
لكن بعيدا عن المكاسب والخسائر المباشرة، تكشف قضية تراجع الدولار حقيقة أعمق تتعلق ببنية الاقتصاد الفلسطيني ذاته. فاقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك أكثر من اعتماده على الإنتاج والتصدير سيظل عرضة للتقلبات الخارجية، سواء جاءت من أسعار العملات أو أسعار الطاقة أو اضطرابات التجارة العالمية.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في متابعة حركة الدولار صعودا وهبوطا، بل في بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام المتغيرات الدولية.
إن انخفاض الدولار قد يوفر بعض الفرص المؤقتة، لكنه لا يمثل تحولا استراتيجيا في الواقع الاقتصادي الفلسطيني. فالتحسن المستدام لن يأتي من أسواق العملات العالمية، بل من تعزيز الإنتاج المحلي وتوسيع قاعدة الصادرات وتشجيع الاستثمار وخلق بيئة اقتصادية أكثر قدرة على توليد النمو وفرص العمل.
وفي النهاية، فإن أثر تراجع الدولار على الاقتصاد الفلسطيني يبقى محدودا بفعل الاختلالات البنيوية والاعتماد الكبير على الاستيراد والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة.
لذلك لا ينبغي المبالغة في التعويل على مكاسب ناتجة عن تقلبات العملات، لأن الطريق الحقيقي نحو اقتصاد أكثر استقرارا وقدرة على النمو يبدأ من دعم الإنتاج المحلي وتعزيز القدرة التنافسية وتوسيع قاعدة الاقتصاد المنتج. فهذه هي الركائز التي تصنع الأثر المستدام، لا تغيرات أسعار الصرف العابرة.