حول مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

مايو 5, 2026

خيارات المشاركة

الدراسات

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تحديات الشرعية والتمثيل، وإعادة بناء النظام السياسي

حول مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

في حقل التجاذب

الأونروا ومسألة التمويل المستدام

الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية

تقدم‭ ‬دراسة‭ ‬الباحث‭ ‬فتحي‭ ‬الكليب،‭ ‬عضو‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي‭ ‬للجبهة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين،‭ ‬مقاربة‭ ‬نقدية‭ ‬عميقة‭ ‬لمسودة‭ ‬‮«‬الدستور‭ ‬المؤقت‭ ‬لدولة‭ ‬فلسطين‮»‬‭. ‬وتتركز‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬حول‭ ‬التناقض‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الدستور‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬التعبير‭ ‬الأرقى‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬والإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وبين‭ ‬واقع‭ ‬‮«‬الاحتلال‭ ‬والاستعمار‭ ‬الاستيطاني‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يسلب‭ ‬هذه‭ ‬السيادة‭.‬

تتناول‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬موقع‭ ‬الدستور‭ ‬وأهميته‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬إسقاط‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭. ‬فالدستور،‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬يعد‭ ‬المرجعية‭ ‬القانونية‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬شكل‭ ‬الدولة‭ ‬ونظام‭ ‬الحكم،‭ ‬وتنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬الثلاث،‭ ‬وتكفل‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنين‭ ‬وحرياتهم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬تفترض‭ ‬وجود‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬كاملة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال‭.‬

تبرز‭ ‬الدراسة‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬السيادة،‭ ‬وما‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي،‭ ‬مثل‭ ‬عدم‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬والسجل‭ ‬السكاني،‭ ‬وتعطيل‭ ‬المجلس‭ ‬التشريعي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤسسي‭. ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬إنتاج‭ ‬دستور‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬أو‭ ‬قابل‭ ‬للتطبيق‭ ‬الفعلي‭.‬

وتناقش‭ ‬الدراسة‭ ‬الجدل‭ ‬القائم‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬صياغة‭ ‬دستور،‭ ‬“مؤقت”،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬إذ‭ ‬يحذر‭ ‬اتجاه‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكرس‭ ‬واقعا‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬ويمنحه‭ ‬شرعية‭ ‬ضمنية،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬تحرري‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬وضع‭ ‬قائم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬تعميق‭ ‬ازدواجية‭ ‬المرجعيات‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والسلطة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬

وتوضح‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬والجزائر‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬دساتير‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وضعت‭ ‬إما‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬انتقالية‭ ‬توافرت‭ ‬فيها‭ ‬شروط‭ ‬أساسية،‭ ‬كوجود‭ ‬سلطة‭ ‬موحدة‭ ‬وسيطرة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬واعتراف‭ ‬دولي‭. ‬وهي‭ ‬شروط‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬اعتماد‭ ‬دستور‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬محل‭ ‬تساؤل‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمرجعية‭ ‬الدستور،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬“وثيقة‭ ‬إعلان‭ ‬الاستقلال”‭ ‬لعام‭ ‬1988‭ ‬تمثل‭ ‬الأساس‭ ‬الدستوري‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إليه‭ ‬أي‭ ‬دستور‭ ‬مستقبلي،‭ ‬كونها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الإجماع‭ ‬الوطني‭. ‬كما‭ ‬تشدد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكرس‭ ‬الدستور‭ ‬مبادئ‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والفصل‭ ‬بين‭ ‬السلطات،‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬وضمان‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭.‬

وتتوقف‭ ‬الدراسة‭ ‬عند‭ ‬قضايا‭ ‬أساسية‭ ‬ذات‭ ‬مدلول‭ ‬سياسي،‭ ‬أبرزها‭ ‬مسألة‭ ‬الحدود،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬إجماع‭ ‬فلسطيني‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬ويعد‭ ‬النص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬ضمانة‭ ‬لحماية‭ ‬الثوابت‭ ‬الوطنية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مخططات‭ ‬الضم‭. ‬كما‭ ‬تناقش‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬نيابي‭ ‬وبين‭ ‬تبني‭ ‬نظام‭ ‬مختلط‭ (‬رئاسي‭ - ‬برلماني‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬يثيره‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إشكاليات‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية‭.‬

كما‭ ‬تخصص‭ ‬الدراسة‭ ‬حيزا‭ ‬مهما‭ ‬لتحليل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والسلطة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬حيث‭ ‬أدت‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬المنظمة‭ ‬لصالح‭ ‬السلطة،‭ ‬ما‭ ‬أوجد‭ ‬خللا‭ ‬في‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬خاصة‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الشتات‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬مخاطر‭ ‬“التمثيل‭ ‬المزدوج”‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬دون‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬المنظمة‭.‬

وتطرح‭ ‬الدراسة‭ ‬تصورا‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬“التكامل‭ ‬الوظيفي”‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمنظمة،‭ ‬بحيث‭ ‬تتولى‭ ‬الدولة‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي،‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬المنظمة‭ ‬كمرجعية‭ ‬تمثيلية‭ ‬شاملة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬حق‭ ‬العودة‭. ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬المنظمة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬فصل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الصلاحيات‭.‬

وفي‭ ‬ختامها،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الدستور‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬مسألة‭ ‬سياسية‭ ‬ترتبط‭ ‬بظروف‭ ‬النضال‭ ‬الوطني،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬قانونية‭ ‬تقنية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬أولوية‭ ‬المرحلة‭ ‬تبقى‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتحقيق‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬مع‭ ‬أهمية‭ ‬إبقاء‭ ‬النقاش‭ ‬الدستوري‭ ‬قائما‭ ‬ضمن‭ ‬حوار‭ ‬وطني‭ ‬مسؤول،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬المهام‭ ‬الوطنية‭ ‬الأساسية‭.‬

Download Count: 3

Download

خيارات المشاركة

الدراسات

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تحديات الشرعية والتمثيل، وإعادة بناء النظام السياسي

حول مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

في حقل التجاذب

الأونروا ومسألة التمويل المستدام

الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية