حول مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

مايو 5, 2026

خيارات المشاركة

الدراسات

حول مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

في حقل التجاذب

الأونروا ومسألة التمويل المستدام

الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية

في الذكرى الـ 57 لانطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

تقدم‭ ‬دراسة‭ ‬الباحث‭ ‬فتحي‭ ‬الكليب،‭ ‬عضو‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي‭ ‬للجبهة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين،‭ ‬مقاربة‭ ‬نقدية‭ ‬عميقة‭ ‬لمسودة‭ ‬‮«‬الدستور‭ ‬المؤقت‭ ‬لدولة‭ ‬فلسطين‮»‬‭. ‬وتتركز‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬حول‭ ‬التناقض‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الدستور‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬التعبير‭ ‬الأرقى‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬والإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وبين‭ ‬واقع‭ ‬‮«‬الاحتلال‭ ‬والاستعمار‭ ‬الاستيطاني‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يسلب‭ ‬هذه‭ ‬السيادة‭.‬

تتناول‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬موقع‭ ‬الدستور‭ ‬وأهميته‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬إسقاط‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭. ‬فالدستور،‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬يعد‭ ‬المرجعية‭ ‬القانونية‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬شكل‭ ‬الدولة‭ ‬ونظام‭ ‬الحكم،‭ ‬وتنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬الثلاث،‭ ‬وتكفل‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنين‭ ‬وحرياتهم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬تفترض‭ ‬وجود‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬كاملة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال‭.‬

تبرز‭ ‬الدراسة‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬السيادة،‭ ‬وما‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي،‭ ‬مثل‭ ‬عدم‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬والسجل‭ ‬السكاني،‭ ‬وتعطيل‭ ‬المجلس‭ ‬التشريعي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤسسي‭. ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬إنتاج‭ ‬دستور‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬أو‭ ‬قابل‭ ‬للتطبيق‭ ‬الفعلي‭.‬

وتناقش‭ ‬الدراسة‭ ‬الجدل‭ ‬القائم‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬صياغة‭ ‬دستور،‭ ‬“مؤقت”،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬إذ‭ ‬يحذر‭ ‬اتجاه‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكرس‭ ‬واقعا‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬ويمنحه‭ ‬شرعية‭ ‬ضمنية،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬تحرري‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬وضع‭ ‬قائم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬تعميق‭ ‬ازدواجية‭ ‬المرجعيات‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والسلطة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬

وتوضح‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬والجزائر‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬دساتير‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وضعت‭ ‬إما‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬انتقالية‭ ‬توافرت‭ ‬فيها‭ ‬شروط‭ ‬أساسية،‭ ‬كوجود‭ ‬سلطة‭ ‬موحدة‭ ‬وسيطرة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬واعتراف‭ ‬دولي‭. ‬وهي‭ ‬شروط‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬اعتماد‭ ‬دستور‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬محل‭ ‬تساؤل‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمرجعية‭ ‬الدستور،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬“وثيقة‭ ‬إعلان‭ ‬الاستقلال”‭ ‬لعام‭ ‬1988‭ ‬تمثل‭ ‬الأساس‭ ‬الدستوري‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إليه‭ ‬أي‭ ‬دستور‭ ‬مستقبلي،‭ ‬كونها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الإجماع‭ ‬الوطني‭. ‬كما‭ ‬تشدد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكرس‭ ‬الدستور‭ ‬مبادئ‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والفصل‭ ‬بين‭ ‬السلطات،‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬وضمان‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭.‬

وتتوقف‭ ‬الدراسة‭ ‬عند‭ ‬قضايا‭ ‬أساسية‭ ‬ذات‭ ‬مدلول‭ ‬سياسي،‭ ‬أبرزها‭ ‬مسألة‭ ‬الحدود،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬إجماع‭ ‬فلسطيني‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬ويعد‭ ‬النص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬ضمانة‭ ‬لحماية‭ ‬الثوابت‭ ‬الوطنية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مخططات‭ ‬الضم‭. ‬كما‭ ‬تناقش‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬نيابي‭ ‬وبين‭ ‬تبني‭ ‬نظام‭ ‬مختلط‭ (‬رئاسي‭ - ‬برلماني‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬يثيره‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إشكاليات‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية‭.‬

كما‭ ‬تخصص‭ ‬الدراسة‭ ‬حيزا‭ ‬مهما‭ ‬لتحليل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والسلطة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬حيث‭ ‬أدت‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬المنظمة‭ ‬لصالح‭ ‬السلطة،‭ ‬ما‭ ‬أوجد‭ ‬خللا‭ ‬في‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬خاصة‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الشتات‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬مخاطر‭ ‬“التمثيل‭ ‬المزدوج”‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬دون‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬المنظمة‭.‬

وتطرح‭ ‬الدراسة‭ ‬تصورا‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬“التكامل‭ ‬الوظيفي”‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمنظمة،‭ ‬بحيث‭ ‬تتولى‭ ‬الدولة‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي،‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬المنظمة‭ ‬كمرجعية‭ ‬تمثيلية‭ ‬شاملة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬حق‭ ‬العودة‭. ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬المنظمة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬فصل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الصلاحيات‭.‬

وفي‭ ‬ختامها،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الدستور‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬مسألة‭ ‬سياسية‭ ‬ترتبط‭ ‬بظروف‭ ‬النضال‭ ‬الوطني،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬قانونية‭ ‬تقنية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬أولوية‭ ‬المرحلة‭ ‬تبقى‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتحقيق‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬مع‭ ‬أهمية‭ ‬إبقاء‭ ‬النقاش‭ ‬الدستوري‭ ‬قائما‭ ‬ضمن‭ ‬حوار‭ ‬وطني‭ ‬مسؤول،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬المهام‭ ‬الوطنية‭ ‬الأساسية‭.‬

Download Count: 3

Download

خيارات المشاركة

الدراسات

حول مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

في حقل التجاذب

الأونروا ومسألة التمويل المستدام

الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية

في الذكرى الـ 57 لانطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين