الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية: بعد عزل المدعي العام وانسحاب بعض الدول، حماية المحكمة الجنائية الدولية وتعزيز استقلالها مسؤولية الدول الأطراف

أغسطس 6, 2026


قالت الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: ان التطورات التي شهدتها المحكمة الجنائية الدولية في الآونة الأخيرة، سواء بإنهاء ولاية المدعي العام كريم خان، او اعلان عدد من الدول انسحابها من نظام روما الأساسي، تضع المحكمة أمام مرحلة دقيقة قد تكون من أكثر المراحل حساسية منذ تأسيسها. وهي تستدعي من الدول الأطراف التحرك بصورة عاجلة للحفاظ على مصداقية المحكمة واستقلالها، ليس فقط عبر الإسراع في انتخاب مدع عام جديد، وإنما أيضا من خلال توفير الضمانات السياسية والقانونية والمالية التي تمكن المحكمة من مواصلة أداء ولايتها بعيدا عن أي ضغوط أو تدخلات.
واضافت الدائرة: من الناحية القانونية، فإن إنهاء ولاية المدعي العام، لا يترتب عليه أي أثر على القضايا المنظورة أمام المحكمة، ولا يمس بشرعية التحقيقات الجارية في الحالة الفلسطينية، كما لا يؤثر في الطبيعة القضائية الملزمة لمذكرتي التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق. فهذه الإجراءات صدرت عن الدائرة التمهيدية للمحكمة، وهي تبقى نافذة إلى أن يتم تعديلها أو إلغاؤها وفقا للآليات القضائية المنصوص عليها في نظام روما الأساسي، وليس نتيجة لتغيير المدعي العام.
واعتبرت الدائرة القانونية قس الجبهة، أن القلق الحقيقي لا يكمن في الوضع القانوني للملفات المنظورة أمام المحكمة، وإنما في البيئة السياسية والقضائية التي ستعمل فيها خلال المرحلة المقبلة، في ظل تصاعد الضغوط والعقوبات المفروضة على بعض قضاتها، واحتمال امتدادها إلى المدعي العام الجديد. كما يبرز التساؤل حول مدى قدرة المدعي العام المقبل على إدارة الملفات الحساسة، وممارسة اختصاصاته باستقلالية وحياد، في مواجهة ضغوط سياسية متزايدة من قوى دولية نافذة تسعى إلى التأثير في مسار العدالة الدولية.
وقالت الدائرة ايضا: وبغض النظر عن صحة الاتهامات التي وجهت إلى المدعي العام السابق كريم خان، فإن من الصعب تجاهل حقيقة، أن التصعيد غير المسبوق ضد المحكمة اتخذ منحى أكثر حدة بعد طلب إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين. بعد ذلك تعرضت المحكمة لحملات سياسية وإعلامية واسعة، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على عدد من مسؤوليها، في تطور يشكل مساسا باستقلال القضاء الدولي ومحاولة للتأثير في عمل مؤسسة قضائية أنشئت لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.
إننا نعتبر ان المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، المطالبة ليس بانتخاب مدعٍ عام جديد فقط، بل وباتخاذ إجراءات عملية تؤكد التزامها بحماية المحكمة. ويشمل ذلك توفير الدعم المالي اللازم لعملها، وضمان أمن القضاة والمدعين العامين والمحققين والشهود، ورفض أي محاولات لفرض عقوبات أو ضغوط عليهم بسبب ممارستهم لاختصاصاتهم القانونية، فضلًا عن تعزيز التعاون في تنفيذ أوامر القبض وجمع الأدلة وتسليم المطلوبين.
كما ينبغي أن تبادر الدول الأطراف إلى إصدار موقف سياسي وقانوني موحد يؤكد أن استقلال المحكمة مبدأ غير قابل للمساومة، وأن أي استهداف لموظفيها أو تهديد لهم يمثل استهدافا لمنظومة العدالة الجنائية الدولية بأكملها، وليس للمحكمة وحدها. فنجاح أية ضغوط في التأثير على عمل المحكمة سيخلق سابقة خطيرة، بأن ملاحقة المسؤولين في الدول القوية قد تؤدي إلى معاقبة القضاة والمدعين بدلا من محاسبة المتهمين.
«الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» قائلة: إن مستقبل المحكمة الجنائية الدولية لن يتحدد فقط بانتخاب مدع عام جديد، وإنما بمدى استعداد الدول الأطراف للدفاع عن استقلال المؤسسة التي أنشأتها. فإذا أخفقت هذه الدول في توفير الحماية السياسية والقانونية للمحكمة، فإن ذلك سيقوض الثقة في نظام العدالة الجنائية الدولية، وسيبعث برسالة مفادها أن تطبيق القانون الدولي يظل رهينة لموازين القوى السياسية، لا لسيادة القانون. أما إذا نجحت في تحصين المحكمة من الضغوط، وهذا هو المأمول، فإنها ستؤكد أن نظام روما الأساسي لا يزال قادرا على حماية استقلال القضاء الدولي وضمان استمرار مكافحة الإفلات من العقاب، بصرف النظر عن هوية المتهمين أو مكانتهم السياسية