إسرائيل الجديدة: فائض القوة أم بداية الانكشاف؟
خيارات المشاركة
المقالات

فراس صالح | عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
ليست «إسرائيل الجديدة» التي بشّرت بها حكومة بنيامين نتنياهو مجرد توصيف إعلامي لمرحلة سياسية، بل هي التعبير الأكثر صراحة عن جوهر المشروع الصهيوني في طوره الأكثر تطرفاً، حيث جرى توظيف حرب 7 أكتوبر بوصفها لحظة تأسيسية لإعادة صياغة إسرائيل كقوة مهيمنة، متحررة من القيود القانونية والأخلاقية، وساعية إلى فرض وقائع نهائية على حساب الشعب الفلسطيني. ما يجري عملية تسريع تاريخي لمشروع قديم، مشروع يهدف إلى حسم الصراع من طرف واحد وإغلاق أفقه السياسي بالقوة.
لقد تعاملت حكومة نتنياهو مع الحدث بوصفه فرصة لإعادة إنتاج إسرائيل وفق تصور اليمين القومي: دولة يهودية صلبة بين النهر والبحر، محصّنة بفائض قوة يجعل كلفة تحديها باهظة إلى حد الردع المطلق. غير أن هذا التحول لا يعكس ثقة استراتيجية بقدر ما يعكس مأزقاً بنيوياً؛ فالدولة التي تلجأ إلى القوة كأداة وحيدة، إنما تعلن ضمنياً عجزها عن إنتاج السياسة. ومع انحسار الحديث عن التسوية، لم يعد الصراع موضوعاً للحل، بل مجالاً للإدارة بالعنف.
تبدو إسرائيل اليوم، للوهلة الأولى، في ذروة قوتها: تفوق عسكري ساحق، دعم أمريكي واسع، اقتصاد تكنولوجي متماسك، وبيئة إقليمية مضطربة. لكن هذا «الفائض» في القوة يخفي تناقضاً جوهرياً يتمثل في العجز عن تحويل الإنجاز العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة. لقد أثبتت التجارب المتكررة أن التدمير، مهما بلغ حجمه، لا ينتج استقراراً، بل يعيد إنتاج الصراع في أشكال أكثر حدة. القدرة على القتل ليست مرادفاً للقدرة على الحكم، وهذه هي العقدة المركزية في الاستراتيجية الإسرائيلية.
إن العقيدة الأمنية التي قامت على فكرة «الضربة الحاسمة» تواجه اليوم حدودها التاريخية. فالصراعات لم تعد تقليدية، والخصوم لم يعودوا قابلين للإخضاع السريع، والمجتمعات المستهدفة أثبتت قدرة عالية على الصمود وإعادة التنظيم. في هذا السياق، يتحول فائض القوة من مصدر تفوق إلى مصدر مأزق، لأنه يرفع سقف التوقعات دون أن يوفر أدوات تحقيقها. ومع كل جولة عسكرية، تتسع الفجوة بين ما يمكن تدميره وما يمكن تثبيته سياسياً.
في الداخل الإسرائيلي، لم يعد الأمر يتعلق بتشدد سياسي، بل بتحول بنيوي نحو نمط حكم يقوم على تفعيل القوة القصوى كخيار مركزي. لم تعد «العقيدة اليمينية القومية» مجرد توجه مرتبط بشخص بنيامين نتنياهو، بل أصبحت إطاراً ناظماً يشمل الحكومة والمعارضة على حد سواء. الفروق بين القوى السياسية لم تعد تدور حول جوهر الصراع مع الفلسطينيين، بل حول إدارة السلطة. أما في ما يخص الحرب والسلام، فقد بات الإجماع قائماً على أولوية القوة وإغلاق أفق التسوية. بهذا المعنى، تسقط تدريجياً الرواية التي قدّمت إسرائيل كدولة «ديمقراطية» ذات تناقضات، لتحل محلها صورة دولة استعمار استيطاني صريحة.
لايمكن فصل هذا التحول عن طبيعة الغطاء الدولي الذي حظيت به إسرائيل، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب، التي لم تكتف بالدعم السياسي، بل ساهمت في تقويض منظومة القانون الدولي نفسها. إضعاف المؤسسات الأممية، استهداف أدوات المحاسبة، ومنح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك دون كلفة مباشرة، كلها عوامل عززت شعوراً إسرائيلياً بأن القوة يمكن أن تُمارس بلا قيود. غير أن هذا الغطاء، رغم فعاليته الآنية، يحمل في داخله مؤشرات تآكل على المدى المتوسط، إذ تتزايد بوادر التراجع في الدعم الشعبي داخل المجتمعات الغربية، وتتوسع فجوة الثقة مع الرأي العام العالمي، خصوصاً في ظل مشاهد الدمار الواسع.
في غزة، تتجسد «اسرائيل الجديدة» بأوضح صورها. ما يجري هناك يتجاوز مفهوم الحرب إلى عملية إعادة هندسة شاملة للحيز الجغرافي والبشري. التدمير الممنهج للبنية التحتية، استهداف الحياة اليومية، وخلق بيئة غير قابلة للعيش، أدوات مقصودة تهدف إلى تحويل القطاع إلى مساحة إخضاع دائم. الهدف لا يقتصر على إضعاف المقاومة، بل يمتد إلى محاولة تفكيك المجتمع ذاته، وتجريده من قدرته على الفعل السياسي. ومع ذلك، فإن التاريخ القريب يبيّن أن المجتمعات التي تتعرض لهذا النوع من الضغط لا تستسلم، بل تعيد إنتاج مقاومتها بأشكال جديدة.
بالتوازي، تشهد الضفة الغربية مساراً متسارعاً نحو الضم الفعلي. إعادة تشكيل جذرية للواقع الميداني: توسع استيطاني، تفتيت جغرافي، إضعاف منهجي للبنية السياسية الفلسطينية، وتحويل السلطة إلى إطار إداري محدود. ما يتشكل هو نظام سيادة استيطانية يبتلع الأرض ويقوّض إمكان قيام كيان فلسطيني مستقل.
في المحصلة، يتكثف مأزق «إسرائيل الجديدة» في معادلة واضحة: كلما اتسعت قدرتها على التدمير، تراجعت قدرتها على إنتاج تسوية. هذا التناقض البنيوي يجعل من المشروع الإسرائيلي مشروعاً بلا أفق سياسي، رغم تفوقه العسكري. فالقوة التي لا تتحول إلى شرعية، تتحول إلى عبء، والهيمنة التي لا تُترجم إلى استقرار، تنتج عزلة متراكمة.
أمام هذا الواقع، لا يكفي توصيف المأزق الإسرائيلي، بل تبرز ضرورة إعادة صياغة الفعل الفلسطيني على أسس أكثر صلابة. إن استثمار هذا التناقض يتطلب أولاً استعادة الوحدة الداخلية، بوصفها شرطاً لأي تأثير فعلي. كما يتطلب نقل الصراع إلى مستوى دولي أوسع، عبر إعادة تعريفه كصراع ضد نظام فصل عنصري، وليس مجرد نزاع سياسي تقليدي. ويقتضي ذلك أيضاً تفعيل أشكال نضال متعددة ومتكاملة، تجمع بين العمل الشعبي والسياسي والدبلوماسي، مع الاستفادة من التحولات في الرأي العام العالمي.
قد تبدو إسرائيل اليوم في موقع القوة، لكنها في العمق تواجه حدود هذه القوة. فالتاريخ يبيّن أن المشاريع القائمة على الإخضاع لا تستطيع إلغاء الشعوب، بل تدخل في صراعات طويلة تستنزف قدرتها على الاستمرار. ما نشهده ليس نهاية القضية الفلسطينية، بل إعادة إنتاجها في شروط أكثر تعقيداً، حيث يتجدد الصراع بأدوات مختلفة، لكن بجوهر واحد.
السؤال الحاسم لم يعد ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحقيق تفوق عسكري، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا التفوق إلى سلام مستقر. وحتى اللحظة، تشير الوقائع إلى أن الجواب ما زال سلبياً، وأن فائض القوة الذي تراهن عليه قد يكون، في نهاية المطاف، بداية انكشافها