حرب الخليج، الإنذار غير النزيه

مارس 26, 2026

ثلاث عوامل مشتركة بين «العدوان الثنائي الأميركي- الإسرائيلي» الثاني على إيران 28 شباط/ فبراير 2026، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، الأول: الممران البحريان الهامان جداً قناة السويس ومضيق هرمز، والثاني: التهديد والوعيد من قبل الدول الاستعمارية لفتحهما لحرية الملاحة، والثالث: إسرائيل القاسم المشترك في الحربين، بل هي القاسم المشترك لكل الحروب في المنطقة دون استثناء، بشكل مباشر أو غير مباشر.
في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1956 أصدرت بريطانيا وفرنسا إنذاراً مشتركاً لمصر، خلال «12» ساعة، يطالب بوقف القتال بين مصر وإسرائيل، والانسحاب إلى مسافة عشرة كيلو مترات بعيداً عن قناة السويس، والموافقة على احتلال قواتهما لمدن القناة، وإلا ستتدخل قواتهما لتنفيذ ذلك بالقوة العسكرية لحماية الملاحة، وهو ما رفضته مصر، فبدأ العدوان. نشرت صحيفة بريطانية في ذلك الوقت مقالاً عن هذا الإنذار غير النزيه أن «إنجلترا لا يمكن أن تتخلص أبداً من الطبيعة غير النزيهة لإنذارها الذي صيغ بحيث كان من المؤكد أن ترفضه مصر». وإنذار ترامب الـ«48» ـساعة، يتوعد إيران بشن ضربات قاسية، قد تشمل تدمير البنية التحتية ومحطات الطاقة، وهي جرائم حرب، إذا لم يتم فتح مضيق هرمز بالكامل لضمان حرية تدفق النفط، هو إنذار غير نزيه يطالب بفتح معبر مفتوح لم يغلق إلا أمام سفن الأعداء، وهذا أمر طبيعي في الحروب.
عموماً السياسة الأميركية في الخليج غير نزيهة، وتواجدها العسكري هناك تهديد دائم لاستقرار الإقليم، حيث قامت بحروب عديدة متتالية في الخليج منذ العام 1990، وأفشلت العديد من أدوار الوساطة لحلول سلمية لأزمات المنطقة، والتي هي أزمات تصدرها الولايات المتحدة لإبقاء التوتر سائداً حيث يتوافر النفط والغاز، وفي الأزمة الأخيرة لعبت عُمان دور الوسيط لمنع حرب محتملة على إيران، اقترح وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي خريطة طريق لتجنب حرباً كارثية، ودعا في مقال أصدقاء أمريكا لقول الحقيقة، محذراً من أن هذا الانزلاق في الحروب يهدد أمن الخليج ومصالحه، مؤكداً أن الولايات المتحدة فقدت بوصلتها وسيطرتها على سياستها الخارجية بانجرارها وراء أجندة إسرائيلية في حرب غير مشروعة أسقطت الرهان على دور الولايات المتحدة السلمي في كامل الإقليم، سياسة هددت أمن الخليج وألحقت الضرر بازدهار اقتصاده، وقد صرفت دول الخليج أموالاً طائلة في شراء الأسلحة، خوفاً من حروب متوقعة نتيجة حالة التوتر التي أثارتها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
فاحت رائحة الخبث وعدم النزاهة في السياسة الأميركية منذ حرب الخليج الأولى، بشن حرب مدمرة على العراق بذريعة باطلة تدعي امتلاك هذا البلد أسلحة دمار شامل، وفي مخطط العدوان الحالي على إيران، باستغلال المفاوضات غطاءً للمباغتة في حرب غير شرعية، وعدم التزامها بالاتفاقيات والعهود، والانسحاب من المؤسسات التي تعمل من أجل العدالة والبيئة وحقوق الإنسان.
أبلغت دول الخليج العربي/الفارسي الولايات المتحدة رفضها استخدام القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها لشن أي هجوم عسكري ضد إيران، فهل استجابت أم تجاهلت وتجاوزت؟. في الأصل ما وُجدت هذه القواعد إلا للاستخدام في مثل حالة الحرب الحالية، كشف عنها بوضوح إسقاط ثلاث مقاتلات حربية أميركية كانت تجوب سماء الكويت «بالتأكيد ليس للسياحة والاصطياف»، وتشير المسارات الجوية الممكنة من فلسطين المحتلة نحو إيران أن المقاتلات الإسرائيلية حتماً تعبر الأجواء العربية لقصف المواقع الإيرانية، وبالتالي فسيادة الدول العربية على أجوائها لا تكون فقط في التصدي للصواريخ الإيرانية العابرة، تريد إسرائيل والولايات المتحدة توريط الدول العربية في الحرب، وزرع العداء بين شعبين مصالحهما تكمن في احترام الجوار، والقانون الدولي، والالتزام بمبادئ السلام، بما يؤدي إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وخدمة الاقتصاد العالمي.
في واحدة من أشهر عمليات وكالة المخابرات المركزية على الإطلاق، وإحدى دلائل الدور الأميركي غير النزيه في نشر حالة عدم الاستقرار في الخليج، الإطاحة برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً د.محمد مصدق، وقد اعترفت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق، عام 2000 بأن واشنطن لعبت «دوراً مهماً» في هذا الانقلاب، وقال الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما، إن هذا الانقلاب أدى إلى الإطاحة بالحكومة في إيران التي وصلت إلى السلطة بناءً على آليات ديمقراطية مشيراً إلى دور وكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1953، كان مصدق مؤيداً للقضايا العربية، أنهى الوجود الإيراني في تل أبيب، وأغلق البعثة الدبلوماسية الإيرانية في إسرائيل « قنصلية رعاية المصالح » في شهر تموز/ يوليو عام 1951، استمر هذا الوضع حتى الإطاحة بمصدق في انقلاب عام 1953، ليعيد الشاه العلاقات كما كانت قبل مصدق.
دعمت واشنطن حكم الشاه الذي تبنى سياسة خارجية متماشية مع القوى الاستعمارية، معتبراً نفسه شرطي واشنطن في الخليج، أسهم في تصاعد التوترات والخلافات بين شعبي الخليج التي تريدها الصهيوأميركية علاقات عداء محكم، عُرف الشاه بعلاقاته القوية مع إسرائيل، واصطف إلى جانبها في الصراع حول قضية العرب الأولى قضية فلسطين، تم تبادل البعثات الدبلوماسية بين طهران وتل أبيب في مارس 1949، واعترفت إيران بإسرائيل في مارس 1950، وكان ثاني اعتراف من قبل دولة إسلامية بإسرائيل بعد تركيا، تعاون الشاه مع تل أبيب في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، شجّع الاعتراف الإيراني رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون على اقتراح تشكيل حلف معاد للقضايا العربية يضم كلاً من إيران وتركيا وإثيوبيا.
فور انتصار ثورة الشعب الإيراني بقيادة الخميني عام 1979، أعلنت طهران عدم اعترافها بإسرائيل كدولة، وأغلقت السفارة الإسرائيلية في العاصمة الإيرانية، وقدمتها كمقر لمنظمة التحرير الفلسطينية، قدمت إيران دعماً شاملاً لفصائل المقاومة الفلسطينية، وناصرت القضية الفلسطينية، وأعلن «يوم القدس العالمي» في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً لنصرة الشعب الفلسطيني وقضاياه العادلة. لهذا لا يمكن إنكار البعد الفلسطيني في الحرب التي شُنت على إيران من حيث الأسباب ومن ناحية التداعيات، تعتبر القضية الفلسطينية من أبرز المتضررين من الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، لم يدفع الخليجيون فقط ثمناً باهظاً لحروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، بل أيضاً دفع الفلسطينيون أثمان النزاعات في الخليج وأبرزها تهجير الجالية الفلسطينية من الكويت في حرب الخليج 1991، وفي نتائج مؤتمر مدريد، دفع الفلسطينيون ثمن هزيمة حليفهم المفترض نظام صدام في ذاك الوقت، وتريد الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق الهزيمة بإيران باعتبارها رأس محور المقاومة لفرض تنازلات جديدة على فصائل المقاومة.
الخليج بخصائصه الطبيعية المتنوعة يحدد على ضفتيه منطقة جغرافية ذات معالم غنية بتضاريسها، توحدها عوامل جغرافية اقتصادية بشرية من أهم ميزاتها أنها تشتهر بغنى موارد النفط والغاز، تقوم عليها صناعة نفطية وبتروكيميائية، ولهذا هي منطقة خطرة، بوجود ثروات تثير المطامع والتوترات في المنطقة، ومخططات التفريق والتمزيق بين شعوبها، لتبرير التواجد العسكري وتسهيل الهيمنة والنهب الاستعماري.
طالت المخططات الأميركية غير النزيهة التنوع الثقافي في إيران لإظهار الاختلاف وزرع الخلاف بين شعوب المنطقة، بدلاً من بناء جسور الثقة والاحترام والتفاهم بين الثقافات. وجعلت من الهويتين العربية والفارسية، مصدر توترات ثقافية طائفية في الخليج والمحيط العربي حتى ظن البعض أن تسمية الخليج العربي أو الخليج الفارسي موضوعاً للنزاع، وأن اختلاف التسمية يعني العداء.
عبر التاريخ الطويل يقيم على ضفتي الخليج بشكل متواصل مجموعتين من السكان ينتمون إلى قوميتين فارسية وعربية، هما شعبان أصليان أقاما على هذه الأرض في علاقة جوار سادها مزيج من خضوع وسيطرة، لكن استمرا في العيش المشترك عبر آلاف السنين، مما أدى إلى تقارب حضاري، سمح الإطار الجغرافي بتفاعل ثقافي واجتماعي مستدام، ووحدة سياسية في بعض المراحل التاريخية المختلفة، كان أطولها سيطرة الإمبراطورية الساسانية على سواحل الخليج العربي/الفارسي التي دامت نحو 427 عاماً، امتد خلالها النفوذ الساساني ليشمل عُمان والبحرين واليمن، مستهدفة تأمين طرق التجارة البحرية والحد من نفوذ الروم «الأميركان حالياً».
شهدت العلاقات التاريخية مراحل مختلفة من التعايش الذي لا ينفي حالات صراع لم يصل مطلقاً إلى حد الصراع الوجودي. يشير التاريخ المشترك إلى مراحل معينة من الصراع والسلم من خصام كمعركة ذي قار، ومن تحالف مثل علاقة الفرس والغساسنة، ومساعدة أنوشروان كسرى فارس لملك اليمن سيف بن ذي يزن للتخلص من الاحتلال الحبشي، وشهدت المرحلة الإسلامية تحولاً جذرياً في العلاقات العربية الفارسية، شهدت ازدهار التجارة العالمية عبر الممرات البحرية المفتوحة، وصلت إلى الهند والصين ومختلف بلدان جنوب شرق آسيا ناشرة الأمن والسلام، فكانت مرحلة مهمة جداً في الامتزاج الثقافي والحضاري العميق، وما زالت نتائج اندماج الفرس في الدولة الإسلامية ماثلة حتى الآن، حيث ساهم الفرس بفعالية في ازدهار الحضارة الإسلامية ولعبوا دوراً محورياً وحاسماً في قيام الدولة العباسية، وتولوا فيها مناصب مهمة سياسية وعسكرية، ونشروا ثقافتهم لاسيما في عهد المأمون. منذ فجر الإسلام برزت شخصيات فارسية مؤثرة تمثلت بداية بدور سلمان الفارسي في صدر الإسلام كصحابي، وأحد رواة الحديث النبوي.
عندما لم تؤدِ الصراعات الثقافية إلى ما هو مرجو منها أميركياً، تم عسكرة المنطقة بالتواجد العسكري المباشر والدائم وبشكل واسع في منطقة الخليج، منذ العام 1991 في حرب إخراج القوات العراقية من الكويت، ثم في غزو العراق عام 2003، فضلاً عن الحروب التي يشنها العدو الإسرائيلي على الدول العربية. أصبح من الضروري وضع خارطة طريق، تقول الحقيقة، وتخدم السلام الدولي، وتؤمّن تدفق النفط، وأن تضع في أجندة اليوم التالي لحرب الخليج الرابعة إخراج التواجد العسكري الأميركي من المنطقة وإغلاق قواعدها بشكل شامل.