الحرب على إيران
خيارات المشاركة
المقالات

أسامة خليفة | باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»
حددت واشنطن أهدافها المعلنة في الحرب العدوانية على إيران، والتي شنتها بالشراكة مع إسرائيل، في 28 شباط/ فبراير 2026، تحت اسم «الغضب الملحمي»، بثلاث أهداف رئيسية: أولاً: عدم السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية، يشمل تنازلها الكامل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، والقبول بمبدأ صفر تخصيب. ثانياً: تدمير قدراتها الصاروخية بعيدة المدى بوضع حد لمديات برنامجها الصاروخي بين 300-500 كيلومتر، بحيث تصبح غير قادرة على الوصول إلى المواقع الإسرائيلية، ثالثاً: وقف دعم حلفائها في الإقليم تمهيداً لتفكيك أذرع إيران في المنطقة التي تصنفها الولايات المتحدة أنها إرهابية.
برر ترامب حربه العدوانية للأميركيين بأن عدم تحقيق هذه الأهداف يمثل تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة، بمعنى أنها «دفاعية»، ولم تكن كما ادعى دفاعاً عن الأراضي الأميركية، بل شراكة مع إسرائيل الرافضة لأي اتفاق توقعه واشنطن مع طهران، بإصرار على الحرب، ولو نفذت هجومها منفردة، وتريد إسقاط النظام الإيراني، وجرّ المنطقة إلى الفوضى، هكذا ظهرت إسرائيل تخشى توصّل المفاوضات إلى تسوية، بالاعتقاد أن الولايات المتحدة تهتم بالملف النووي، قبل أن يوضح الرئيس الأميركي رغبته في تغيير النظام الإيراني، وهو ما يؤدي إلى الفوضى، وهي بالأصل سياسة أميركية لمنطقة الشرق الأوسط تحديداً، كأداة لبناء «شرق أوسط جديد»، مما يجيب عن سؤال مهم حول علاقة «الفوضى الخلاقة» بإسرائيل، كمستفيد أول من حالة الفوضى التي لا تتوقف في دولة شرق أوسطية، إلا بتطبيع الأنظمة المعنية مع الكيان الإسرائيلي، ارتبط مصطلح ومخطط «الفوضى الخلاقة» بشكل أساسي بالسياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد غزو العراق عام 2003، حيث تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وتقسيمها وإضعاف قواها الوطنية لخدمة مصالح أميركا وإسرائيل.
وقد أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس عام 2005 أنّ الولايات المتحدة ستلجأ إلى نشر «الفوضى الخلّاقة» في الشرق الأوسط في سبيل إشاعة «الديمقراطية»، وأخر إبداعات «الديمقراطية!!» ما يريده ترامب أن يعين بنفسه القيادة الإيرانية، ولم تطال استراتيجية «الفوضى الخلاقة» سوى الدول ذات «الأنظمة الجمهورية»، تحت ذريعة أنها مستبدة، بينما بقيت «الأنظمة الملكية» مستقرة «؟؟!!»، تهدف هذه الاستراتيجية إلى إحداث حالة يتم بموجبها تقويض الأنظمة القائمة، وتدمير جيوش الدول رمز وحدة البلاد واستقلالها، وتقسيم المنطقة إلى دويلات، ليسهل السيطرة على ثرواتها وسرقتها، عكس ما أشاعت واشنطن أن «الفوضى الخلاقة» مرحلة مؤقتة تقود إلى مرحلة بناء، لكن ثبت أنه مخطط لم يبنِ بل هدّم ودمّر، والصور في المنطقة تبين حجم الدمار في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا ولبنان وأفغانستان والآن إيران، ما دخلت الولايات المتحدة في بلد من البلدان بموجب «الفوضى الخلّاقة» إلا وخلفت وراءها عندما خرجت منه اقتصاداً منهاراً، ودماراً عظيماً، وحروباً أهلية وطائفية لا تنتهي.
من أجل خلق هذه الفوضى دعا ترامب الإيرانيين إلى استغلال فرصة قد لا تتكرر لأجيال، وتولي أمور إدارة بلادهم، معتبراً أن الضربات الأميركية الإسرائيلية تخلق أجواء مناسبة تمتاز بعجز النظام الإيراني عن السيطرة وإدارة البلاد، مما يمهد لتغيير النظام، حيث أسفر الهجوم في يومه الأول عن اغتيال المرشد الأعلى لإيران السيد علي خامنئي، وعدد من كبار مساعديه، وقيادات عسكرية وأمنية وسياسية بهدف زعزعة النظام، وسط رهان أميركي إسرائيلي على أن هذا الإنجاز العسكري الاستخباراتي سيؤدي إلى انهيار النظام الإيراني.
وفي تبريرات واشنطن لحربها العدوانية تدّعي أنها تهدف إلى منع إيران من تهديد أميركا، واصفة إياه بالتهديد الوجودي، برفضها التخلي عن طموحاتها النووية والصاروخية، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحمّل ذلك، أبدت طهران تجاوباً مع المطالب الأميركية في المفاوضات وقدمت تنازلات مهمة، تجاهلت واشنطن أن إيران قدّمت تنازلات كبيرة خلال المفاوضات، بما في ذلك موافقتها على نقل كل اليورانيوم المخصب خارج أراضيها، والقبول برقابة مشددة على برنامجها النووي. وقد أدلى بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني، والوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، بتصريح، يشير إلى أن إيران وافقت على نقل كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، وقبلت بنظام تفتيش صارم لمنشآتها النووية. واعتبر البوسعيدي أن الجولة كانت «جادّة للغاية» وأنها أسهمت في توضيح وجهات النظر، وتحديد مجالات التقدم الممكنة مع تأكيده أن نتائجها ستخضع لتقييم دقيق في طهران وواشنطن، انتهت جولة مسقط من دون اتفاق على أمل استئناف المفاوضات في جنيف، حيث وافقت واشنطن على اقتصار التفاوض على برنامج إيران النووي، على أن يجري بعد التوافق بشأنه الانتقال للتفاوض حول القضايا الأخرى على مراحل. صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن ملف الصواريخ الباليستية يتعين بحثه في مرحلة ما. مع ذلك، لا يبدو أن الخلاف حول برنامج إيران النووي أو برنامج الصواريخ الباليستية كان وحده الدافع المباشر وراء الضربة الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة، لا سيما في ضوء المؤشرات التي تفيد أن العملية العسكرية جرى التخطيط لها منذ أشهر بالتنسيق بين واشنطن وتل أبيب، وسياق الهجوم يدل على نوايا مسبقة لإسقاط نظام الحكم.
في شباط/ فبراير2003، وافق العراق تحت ضغط التهديد بالغزو الأمريكي على تدمير صواريخ «الصمود2»، أشرفت فرق الأمم المتحدة على تدمير صواريخ اعتبرت محظورة لتجاوزها مدى 150 كيلومتر، فشلت محاولة الرئيس صدام حسين لتجنب الحرب بسبب ذريعة الصواريخ، كما هو معروف ابتدع جورج دبليو بوش وتوني بلير كذبة أسلحة الدمار الشامل، فالحرب واقعة بغض النظر عن الذرائع.
مع تصريحات أميركية بتحقيق تقدم في المفاوضات، كان الاستعداد للحرب يجري على قدم وساق، وسط توقع بهجوم أميركي حالما تكتمل الاستعدادات، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: «إذا هاجمتنا الولايات المتحدة، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا. إن هجوم الولايات المتحدة علينا هو عمل عدواني. وما نفعله رداً على ذلك هو عمل دفاع عن النفس، وبالتالي فهو مبرر ومشروع ». وأكد على حق إيران في استخدام الطاقة النووية السلمية، بما في ذلك التخصيب، وفقاً للاتفاقيات الدولية.
وكانت التسوية ممكنة لو صدقت النوايا الأميركية، لكن المفاوضات كانت خديعة للقيام بحرب تتسم بالغدر، فالهدف ليس التوصل إلى تسوية مع إيران، بل إسقاط نظام الحكم، وثمة اعتقاد أن المفاوضات كانت مسرحية أدارها ترمب بهدف كسب الوقت لإتمام الاستعدادات للحرب، متوقعين ألا تستسلم إيران للمطالب الأميركية حول برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي، حيث أصرت طهران على حصر النقاش في ملفها النووي مع التمسك بحقها في التخصيب بنسب مئوية منخفضة لأغراض سلمية.
لكن الحرب نشبت وبدأ العدوان على إيران، وتبين أن شعار ترامب «أميركا أولاً» أصبح «إسرائيل أولاً »، فالحرب لا تخدم مصالح واشنطن بقدر ما تخدم مصلحة إسرائيل، لهذا أثار العدوان جدلاً سياسياً داخل الكونغرس الأميركي حول ما إذا كانت واشنطن قد فقدت زمام المبادرة لصالح حسابات إسرائيلية التي فرضت نفسها على القرار الأميركي، ما يدل على أن المؤيدين للحرب الذين يدعمون إسرائيل يقدمون مصالح إسرائيل على المصالح الأميركية. وبعد 9 أيام من الحرب هل مازالت أميركا أولاً؟. ربما شعار «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» باستعراض قوتها وعدوانها وتبديل تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، قد تؤدي الحرب إذا ما صمدت إيران إلى صورة معاكسة لهذه العظمة. وسيبدو ترامب كمن ورط الولايات المتحدة خدمة لنتنياهو.
استمر الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، ووضع ترامب مهلة شهر لقبول إيران شروطه، كانت كافية لوصول حاملة الطائرات إلى المنطقة. بينما إسرائيل لا تكتفي بالمطالب الأميركية الثلاث المعلنة، وأعلنت بوضوح عن هدفها من الحرب على إيران في إسقاط النظام الإيراني، أو إدخال إيران في حالة من الفوضى، ترجح إسرائيل إسقاط النظام لا الاقتصار على إضعاف إيران، خوفاً من أن تعيد بناء قوتها فيما لو أوقفت واشنطن الحرب بالتفاوض للوصول إلى اتفاق مع طهران بعيداً عن مصالح إسرائيل كما حدث في الاتفاق مع أنصار الله في اليمن، فإسرائيل غير قادرة على الاستمرار في الحرب وحدها.
طُرحت عدة مخططات لإسقاط النظام من الخارج وهو يتطلب تدخلاً عسكرياً برياً مباشراً كما حدث في العراق عام 2003، وهو سيناريو قد يحدث في ظروف مناسبة تعد لها واشنطن لاحقاً وتستبعده حالياً، أو إسقاط النظام من الداخل بإثارة اضطرابات واحتجاجات داخلية على أوضاع صعبة ناجمة عن عقوبات على إيران وحصار اقتصادي يثمر عن رغبة شعبية في التغيير، أو دعم جهات انفصالية، وتحريك أقليات داخل إيران وتدريبها وتسليحها، أو مخطط بديل يعمل على الجمع بين الخيارين كتحويل إيران إلى دولة فاشلة.
في أمور قد تكون متوقعة ومحسوبة، قد يقود التصعيد الحالي ليس فقط إلى فوضى في إيران، بل إلى دفع المنطقة نحو حالة من الفوضى الشاملة تستفيد منها إسرائيل في فرض هيمنتها وسيطرتها على كل المنطقة، وتصبح دولة عظمى تخضع الإقليم، وقادرة على تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى». لا شك أن لهذه الحرب تداعيات وانعكاسات إقليمية تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، وأن الشرق الأوسط بأسره سيدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، يتم فيها تقسيم الدول، وإقامة دويلات وكيانات متناحرة، نتيجة لإضعاف الدولة المركزية، والنزاعات الطائفية والعرقية والقومية، يضع المنطقة أمام خطر انفجار شامل، مع بروز سلطات محلية وميليشيا تتحكم بمساحات واسعة، كان نموذجها وأكبرها مساحة الإمارة الداعشية التي وجدت لها مطرحاً بين سوريا والعراق.