نجيب نصّار… حين تسبق الكلمةُ الرصاصة
خيارات المشاركة
المقالات

وسام زغبر | عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
حين كتب نجيب نصّار قبل أكثر من قرن عن الصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا إحلاليًا لا مجرد حركة هجرة، لم يكن يقرأ لحظته فقط، بل كان يستشرف مسارًا طويلًا من التحولات في فلسطين والمنطقة. اليوم، ونحن نعاين ما يجري من حرب مفتوحة على غزة، وتصعيد أميركي–إسرائيلي ضد إيران، وحديث متزايد عن «شرق أوسط جديد» تتبوأ فيه إسرائيل موقع القيادة، تبدو كلمات نصّار كأنها كُتبت لهذا الزمن.
فالرجل الذي أسس جريدة «الكرمل» عام 1908 لم يحذر من بيع الأرض فحسب، بل حذّر من تفكك الداخل العربي ومن الرهان على تسويات تُغفل جوهر المشروع الصهيوني. كان يدرك أن الخطر لا يكمن في القوة العسكرية وحدها، بل في إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا واقتصاديًا بما يخدم تفوقًا دائمًا لإسرائيل. أليست هذه هي المعادلة المطروحة اليوم؟ تطبيع واسع، تحالفات أمنية عابرة للحدود، ومحاولات لإعادة رسم خرائط النفوذ تحت عنوان الاستقرار ومواجهة «التهديدات» الإقليمية.
في ظل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، لا يبدو الصراع معزولًا عن فلسطين، بل جزءًا من إعادة هندسة الإقليم. نصّار كان سيقول إن تفكيك العواصم الكبرى وإشغالها بصراعاتها الداخلية يفتح الطريق أمام تثبيت مشروع الهيمنة. وكان سيكرر دعوته القديمة إلى بناء قوة عربية ذاتية، اقتصادية واجتماعية، قادرة على حماية الأرض والقرار.
إن استدعاء نصّار اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل ضرورة فكرية. فمعركة الوعي التي خاضها في مطلع القرن العشرين ما تزال قائمة: هل نقبل شرقًا أوسط يُبنى على أنقاض فلسطين، أم نعيد تعريف المعادلة انطلاقًا من حق الشعوب في السيادة والعدالة؟ في هذا السؤال تحديدًا، يتجدد صوت نجيب نصّار، لا كشاهد على النكبة فحسب، بل كمرشدٍ لتحصين الحاضر من نكباتٍ قادمة