من حق وطني إلى ملف تفاوضي: قصة استهداف مخصصات أسر الشهداء
خيارات المشاركة
المقالات

سمير ابو مدللة | عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
لم يكن تحويل مخصصات أسر الشهداء إلى برامج “تمكين” اجتماعي مجرّد تعديل إداري أو إجراء مالي عابر، بل قرارًا سياسيًا بامتياز، يعكس تحوّلًا مقلقًا في تعريف التضحية الوطنية وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فحين يُنقل الشهيد من موقع الاستحقاق القانوني والوطني إلى خانة “الحالة الاجتماعية”، يجري عمليًا تفريغ الفعل الوطني من مضمونه، وإعادة تصنيفه كعبء مالي قابل للتقليص والمراجعة.
على مدار عقود، شكّلت مخصصات الشهداء أحد أعمدة العقد الاجتماعي الفلسطيني، بوصفها اعترافًا رسميًا بكلفة النضال ضد الاحتلال، وجزءًا لا يتجزأ من الشرعية السياسية والأخلاقية للنظام السياسي الفلسطيني. لم تكن هذه المخصصات يومًا منّة ولا أداة رعاية اجتماعية، بل حقًا ثابتًا خارج منطق الفقر والاستهداف الاجتماعي. غير أن هذا العمود بدأ يتآكل تحت ضغط مباشر وممنهج: عقاب مالي إسرائيلي عبر الاقتطاع من أموال المقاصة، وضغوط دولية مشروطة تسعى إلى إعادة هندسة السياسة الفلسطينية بما يتلاءم مع معايير “الانضباط المالي”، لا مع حقوق شعب واقع تحت الاحتلال.
هذا المسار أثار رفضًا واسعًا من قوى وطنية ومؤسسات حقوقية ونقابية وأطر مجتمعية، رأت فيه استجابة غير معلنة لشروط سياسية خارجية، ومحاولة لتمرير كلفة الصراع من الاحتلال إلى المجتمع الفلسطيني نفسه. فالاعتراض لم يكن على آلية الصرف، بل على جوهر القرار الذي يُخضع الحق الوطني لمنطق “التمكين المشروط”، ويفتح الباب أمام تطبيع فكرة محاسبة الشهيد اقتصاديًا بدل محاسبة الاحتلال سياسيًا وقانونيًا.
اقتصاديًا، يأتي هذا القرار في سياق كارثي، خصوصًا في قطاع غزة، حيث تتجاوز نسب الفقر 85 في المائة، وتعتمد غالبية أسر الشهداء على هذه المخصصات كمصدر دخل رئيسي. إن تحويلها إلى برامج متقطعة أو إخضاعها لمعايير الفقر يعني فقدان ما يصل إلى 70% من الدخل الشهري، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الأمن الغذائي، والتعليم، والصحة، ويؤدي إلى توسيع الفجوة الاجتماعية وتعميق الهشاشة في مجتمع محاصر ومُنهك.
لكن الخطر الأعمق لا يكمن في الأثر الاقتصادي وحده، بل في البعد السياسي والرمزي. فربط مخصصات الشهداء ببرامج “التمكين” ينسجم تمامًا مع خطاب دولي وإسرائيلي يسعى إلى نزع الطابع التحرري عن القضية الفلسطينية، وإعادة تعريف النضال بوصفه “سلوكًا مكلفًا” ينبغي ضبطه وإدارته ماليًا. وبهذا المعنى، لا يجري استهداف بند في الموازنة، بل إعادة صياغة الوعي الجمعي الفلسطيني، وإضعاف أحد أهم عناصر الصمود الوطني.
والمفارقة الصارخة أن الاحتلال ذاته، الذي يطالب بوقف مخصصات أسر الشهداء بذريعة “التحريض”، يحرص في المقابل على رعاية جنوده الأسرى والرهائن، ويوفّر لعائلاتهم دعمًا ماليًا ونفسيًا وسياسيًا كاملًا، بل ويتعامل مع جثث قتلاه بوصفها قضية سيادية ووطنية لا تخضع للمساومة أو التقييم. في حين يُطلب من الشعب الفلسطيني، الواقع تحت الاحتلال، أن يتبرأ من شهدائه، وأن يعامل تضحياتهم كملف اجتماعي قابل للتقليص والمراجعة، في ازدواجية أخلاقية فاضحة تكشف أن المعركة الحقيقية هي على الرواية والشرعية، لا على المال وحده.
في غزة، حيث لا تنمية بلا سيادة، ولا تمكين بلا حرية حركة أو سوق عمل، يتحول خطاب “التمكين” إلى غطاء لغوي لإجراءات تقشفية وسياسية، تنقل الأسر من دائرة الحماية إلى دائرة الوصم الاجتماعي، وتحوّل الكرامة إلى ملف تقييم، والحق إلى إعانة.
إن تكريس هذا المسار يفتح سابقة سياسية خطيرة، تُحوّل الحقوق الوطنية إلى ملفات تفاوضية قابلة للمساومة، وتُضعف الموقف الفلسطيني في أي مواجهة سياسية أو قانونية مقبلة. ومع مرور الوقت، يصبح السؤال المطروح ليس عن قيمة المخصص، بل عن شرعية الاستحقاق ذاته، وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا لبنية المشروع الوطني.
في مواجهة ذلك، لا يكفي الدفاع عن الأرقام أو البحث عن تسويات إدارية. المطلوب موقف سياسي واضح يعيد الاعتبار للاستحقاق الوطني، ويفصل مخصصات الشهداء كليًا عن منطق الشروط والابتزاز المالي، ويؤكد أن كلفة الاحتلال يجب أن يتحمّلها الاحتلال، لا عائلات من قدّموا حياتهم ثمنًا للحرية.
فمخصصات الشهداء ليست بندًا ماليًا، بل تعبير عن هوية سياسية وأخلاقية، وأي مساس بها — تحت أي مسمّى — هو مساس بجوهر الرواية الفلسطينية وبأسس الصمود في معركة لم تنتهِ بعد.
في الختام، لا يمكن اختزال دماء الشهداء في نماذج إدارية، ولا تحويل تضحياتهم إلى ملفات “استحقاق اجتماعي” تخضع للاختبار والتقييم. فالشهداء لم يقدّموا أبناءهم ليُعاد تصنيف أسرهم كحالات فقر، بل قدّموا أغلى ما يملكون دفاعًا عن الكرامة والحرية. إن الوفاء الحقيقي للشهداء يبدأ بالاعتراف بتضحياتهم كحق وطني ثابت، لا كمنحة مشروطة، وبصون كرامة أسرهم بوصفهم شركاء في النضال،لا مستفيدين