حين يتحوّل التقشّف إلى أداة سياسية: الأونروا بين تقليص الموارد واستهداف اللاجئين

يناير 15, 2026


لا يمكن التعامل مع ما يُتداول داخل أروقة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من قرارات وشيكة بتقليص رواتب الموظفين بنسبة قد تصل إلى 20%، وخفض ساعات العمل، وفصل مئات العاملين، بوصفه إجراءً إداريًا تقنيًا فرضته أزمة مالية طارئة. فالسياق الذي تأتي فيه هذه الخطوات، سواء أُعلنت رسميًا أو سُرّبت تدريجيًا، يكشف أبعادًا سياسية عميقة، ويمسّ جوهر التفويض الأممي للوكالة ودورها في حماية استقرار وحقوق ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
إن تصاعد الحديث في أوساط الموظفين والنقابات عن خفض الرواتب وتقليص ساعات العمل، بالتوازي مع فصل أكثر من 600 موظف، يعكس توجّهًا ممنهجًا لتحميل العاملين الفلسطينيين كلفة أزمة مركّبة، تتداخل فيها الاعتبارات المالية مع الضغوط السياسية المتصاعدة على الأونروا. وعمليًا، لا يستهدف هذا المسار الموظفين وحدهم، بل يضرب البنية الأساسية للخدمات التعليمية والصحية والإغاثية التي يعتمد عليها اللاجئون في قطاع غزة والضفة الغربية ومناطق اللجوء المختلفة.
يمثّل موظفو الأونروا العمود الفقري لعمل الوكالة، وليسوا عبئًا ماليًا يمكن تقليصه كلما اشتدّ الضغط أو تراجع التمويل. فأي خفض في الرواتب أو تقليص لساعات العمل سينعكس مباشرة على مستوى الخدمات داخل المخيمات، التي تعاني أصلًا من الفقر البنيوي، وتدهور البنى التحتية، وانعدام الأمن الإنساني. ويتضاعف هذا الأثر في قطاع غزة، حيث يعيش السكان تحت وطأة حرب مدمّرة وحصار طويل الأمد، جعل من خدمات الأونروا شريان حياة لا غنى عنه.
ومنذ مطلع عام 2026، بدأت تتسرّب معلومات عن حزمة إجراءات مالية وإدارية غير مسبوقة، تُبرَّر بذريعة العجز المالي، وتشمل تقليص الرواتب وساعات العمل، وإنهاء عقود مئات الموظفين، ولا سيما من أبناء غزة الموجودين قسرًا خارج القطاع. وفي المقابل، لا تظهر مؤشرات جدّية على المساس بالمناصب العليا أو الامتيازات الإدارية، ما يفضح ازدواجية المعايير ويقوّض مصداقية خطاب “التقشّف” السائد.
الأخطر أن تحويل هذه التسريبات إلى قرارات رسمية سيشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الأونروا ومنظومة الأمم المتحدة، لافتقارها إلى الشفافية والمعايير القانونية العادلة، ولما تحمله من مسار متدرّج لتفريغ الوكالة من كوادرها الفلسطينية، وإعادة تعريفها كمؤسسة إغاثية هشّة ومؤقتة، بدل كونها وكالة أممية قائمة على الحقوق والالتزامات الدولية تجاه اللاجئين.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن السياق السياسي الأوسع، ولا عن الضغوط الدولية المتزايدة لإعادة تشكيل دور الأونروا أو تحجيم وظيفتها القانونية المرتبطة بقضية اللاجئين. وفي هذا الإطار، يبدو “التقشّف” أداة سياسية ناعمة لفرض أمر واقع جديد، يكون فيه الموظف الفلسطيني الحلقة الأضعف، واللاجئ هو الخاسر الأكبر.
إن الدفاع عن الأونروا اليوم ليس دفاعًا عن مؤسسة بيروقراطية، بل عن كرامة اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم غير القابلة للتصرّف، وفي مقدمتها حق العودة كما كفله القرار الأممي 194. وهو دفاع يتطلّب تحرّكًا سياسيًا ونقابيًا وإعلاميًا منسقًا، يضع الأمم المتحدة والدول المانحة أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، ويرفض تحويل الأزمات المالية إلى أدوات لتقويض حقوق اللاجئين وخدماتهم الأساسية