غزة تحت المطر: حين يصبح الشتاء أقسى من الحرب
خيارات المشاركة
المقالات

سمير ابو مدللة | عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
في غزة، لا يأتي الشتاء كفصلٍ عابر، بل كعقوبةٍ جديدة تُضاف إلى سجلٍ طويل من الألم. يأتي محمّلًا برياحٍ عاتية وأمطارٍ غزيرة، لكنه يصطدم بأجسادٍ عارية من الحماية، وبخيامٍ مهترئة لا تقي بردًا ولا تمنع غرقًا. هنا، لا ينتظر الناس تحسّن الطقس، بل ينتظرون النجاة من ليلة أخرى. نازحون بلا بيوت، بلا أسقف، بلا جدران تحمي أطفالهم من بردٍ يلسع العظام، ومن خوفٍ لا يفارقهم مع كل عاصفة.
في الليلة الماضية، سقط أربعة شهداء وعشرات الجرحى نتيجة الأمطار والرياح، لا برصاص الاحتلال ولا بقصفه المباشر، بل بفعل الحصار والإهمال والخذلان. موتٌ بطيء يتسلّل بصمت، قطرةً قطرة، مع كل ليلة مطيرة، ومع كل خيمة تقتلعها الرياح. آلاف المشردين والنازحين… بل مئات الآلاف، يعيشون على هامش الحياة، في العراء، حيث يتحوّل المطر إلى تهديد، والبرد إلى سلاح، والشتاء إلى شريكٍ في القتل.
كثيرون وصفوا ما عاشته غزة في ليالي العواصف الأخيرة بأنه كان أقسى من ليالي الحرب نفسها. ففي الحرب يكون الموت سريعًا ومباشرًا، أما اليوم، فهو ممتدّ وقاسٍ، ينهش الأجساد والآمال معًا. لا دويّ قصف، لكن هناك انهيارًا كاملًا لمعنى الأمان. أطفال ينامون فوق الطين، ونساء يحاولن إشعال نارٍ صغيرة بأيدٍ مرتجفة، وكبار سنّ يواجهون الليل بصدورٍ أنهكها البرد والخوف. الخيام لم تعد مأوى مؤقتًا، بل صارت مقابر مؤجّلة، والانتظار سياسة تُدار على حساب البشر.
ولم يعد يكفي غزة ما قدّمته من تضحيات. لم يعد يكفي أكثر من سبعين ألف شهيد ارتقوا تحت القصف، ولا عشرون ألف مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، ولا آلاف الأسرى في سجون الاحتلال، ولا عشرات الآلاف من الجرحى الذين يعيشون بين الألم والعجز وقلة العلاج. كأن الدم وحده لم يعد كافيًا لإيقاظ ضمير العالم، وكأن حجم الفقد لم يبلغ بعد حدّ الاكتفاء في ميزان الصمت الدولي.
اليوم، تُستكمل المأساة على يد الطبيعة، في فصل شتاءٍ قاسٍ يُسلَّط على شعبٍ منهك، بلا بيوت ولا حماية. كأن الشتاء جاء ليكمل ما عجزت عنه آلة الحرب، وليواصل المهمة بوسائل أكثر صمتًا وأشد قسوة. بردٌ يفتك بالأجساد، وأمطارٌ تغرق الخيام، وليالٍ طويلة تُختبر فيها قدرة الإنسان على الصمود وحيدًا، بلا سند ولا عدالة.
وسط هذا المشهد القاسي، يقف المجتمع الدولي والعربي في صمتٍ مريب. صمت لم يعد حيادًا، بل صار مشاركة غير مباشرة في المأساة. بيانات شاحبة لا تُدفئ طفلًا، ولا تحمي نازحًا، ولا توقف موتًا يتقدّم ببطء. وفي المقابل، تواصل إسرائيل منع إدخال البيوت المتنقلة، وتقيّد دخول المساعدات الأساسية، وتتنصّل من التزاماتها، وتماطل في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لتبقى الخيام قدر أهل غزة الوحيد في مواجهة الشتاء.
من هنا، ترتفع دعوة إنسانية وأخلاقية عاجلة إلى شعوب العالم، وإلى الضمير الحيّ أينما كان، للتحرّك الفوري لوقف هذا الموت البطيء. كما تُوجَّه دعوة واضحة إلى الدول الضامنة للاتفاق للقيام بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والضغط الجاد للبدء الفوري في المرحلة الثانية دون تسويف أو شروط، لأن كل يوم تأخير يعني ليلة برد جديدة، ومعاناة أعمق، وربما روحًا أخرى تُنتزع بصمت.
غزة اليوم لا تطلب المستحيل، بل تطلب حقها الطبيعي في الحياة، وفي الدفء، وفي الكرامة. تطلب سقفًا يحمي أطفالها من المطر، وقرارًا ينقذ نازحيها من العراء، وضميرًا عالميًا يستيقظ قبل أن يكتب الشتاء فصلًا جديدًا من الفقد. ففي غزة، لم يعد الشتاء مجرد فصلٍ بارد، بل صار أقسى من الحرب نفسها، وشاهدًا حيًّا على جريمة مستمرة، وموتًا بطيئًا لا يقل وحشية عن القتل المباشر