تفكيك الأونروا من الداخل: من حارس الولاية إلى منفّذ التصفية

يناير 12, 2026


لم يعد ما يجري داخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» مجرد أزمة تمويل أو إدارة مرتبكة لعجزٍ مالي، بل تحوّل إلى عملية هدم ممنهجة تُنفّذ من داخل الوكالة نفسها، وبقيادة المفوض العام فيليب لازاريني، الذي لم يعد بالإمكان النظر إلى قراراته بوصفها أخطاء تقدير أو خيارات اضطرارية، بل كسياسات واعية تُسهم عملياً في تفكيك المؤسسة الأممية التي أُنشئت أصلاً كاعتراف دولي بجريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. إن ما نشهده منذ مطلع عام 2026 هو انقلاب صريح على ولاية الأونروا، وضرب متعمّد لوظيفتها السياسية والقانونية، وتماهٍ خطير مع المشروع الإسرائيلي الساعي إلى شطب قضية اللاجئين وحق العودة من الوعي الدولي.
تخفيض رواتب عشرات آلاف الموظفين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وتقليص ساعات عملهم مع خفض إضافي للأجور، في ذروة حرب الإبادة والتجويع والحصار، ليس قراراً إدارياً قاسياً فحسب، بل فعل عقابي جماعي بامتياز، يستهدف الحلقة الأضعف داخل الوكالة، ويضرب العمود الفقري للخدمات المقدمة لملايين اللاجئين. ففي الوقت الذي تُستثنى فيه الإدارات الغربية العليا من أي مساس حقيقي بامتيازاتها، يُدفع الموظف الفلسطيني ثمن الأزمة مرتين: مرة بصفته لاجئاً يعيش تحت النار، ومرة بصفته عاملاً يُجرَّد من أمنه الوظيفي.
أما قرار إنهاء عقود 650 موظفاً من قطاع غزة، الذين أُجبروا على البقاء خارج القطاع بفعل الحرب، فيشكّل ذروة الانحطاط الأخلاقي لهذه السياسات. هؤلاء لم يتغيبوا عن عملهم، ولم يتخلوا عن مسؤولياتهم، بل كانوا ضحايا مباشرة للعدوان الإسرائيلي، ليأتي قرار المفوض العام ويحوّلهم من ضحايا حرب إلى ضحايا إدارة أممية باردة، لا ترى في الإنسان سوى بندٍ قابل للشطب من الموازنة.
إن هذا القرار وحده كافٍ لإدانة كامل النهج المتبع، لأنه يكشف مدى الاستعداد للتضحية بالبشر من أجل تكييف الوكالة مع أجندات سياسية خارجية.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تمثلت في خصخصة وظائف سيادية داخل الأونروا، عبر الاستغناء عن حراس مقرها في عمّان واستبدالهم بشركة أجنبية خاصة. هذه الخطوة ليست تفصيلاً إدارياً عابراً، بل إعلان صريح عن تبني منطق السوق بدل منطق الولاية الأممية، وعن تفكيك العلاقة التاريخية بين الوكالة وموظفيها الفلسطينيين، تمهيداً لتحويل الأونروا إلى هيكل فارغ، قابل للبيع والاستبدال والتصفية.
ويأتي وقف التثبيت في جميع الوظائف والأقاليم ليُكمل هذا المشهد القاتم، عبر تعميم الهشاشة الوظيفية، وتجفيف الوكالة من كوادرها، وإبقاء العاملين فيها أسرى الخوف والابتزاز وعدم الاستقرار، في سياسة لا يمكن تفسيرها إلا كجزء من مشروع إضعاف ممنهج، يهدف إلى إنهاك المؤسسة من الداخل حتى تسقط دون ضجيج.
إن سرعة هذه القرارات وتتابعها يكشفان عن نية مبيّتة لا عن ارتجال، وعن مسار واحد لا عن إجراءات متفرقة. وهو ما يجعل التلاقي بينها وبين التصريحات الوقحة لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي دعا صراحة منذ عام 2018 إلى تفكيك الأونروا لأنها تُبقي قضية اللاجئين حيّة، تلاقياً فاضحاً لا يمكن إنكاره.
 فالفرق الوحيد أن ما عجز الاحتلال عن فرضه بالقوة العسكرية، يجري اليوم تمريره بلغة أممية ناعمة، وبأدوات إدارية قاتلة.
والمفارقة أن المفوض العام نفسه كان قد مهّد لهذا المسار علناً، حين دعا في عام 2022 إلى نقل خدمات الأونروا إلى وكالات أممية أخرى، ثم عاد في شباط/فبراير 2025 ليطرح إنهاء ولايتها تدريجياً ونقل خدماتها إلى ما سماه «مؤسسات فلسطينية متمكنة»، وكأن مشكلة اللاجئين تكمن في الجهة التي تقدّم الخدمة، لا في استمرار الاحتلال وغياب العدالة. وحتى محاولته الأخيرة للتغطية على هذا المسار بالقول إن الأونروا لا يمكن استبدالها إلا بدولة فلسطينية فاعلة، لا تعدو كونها ذراً للرماد في العيون، لأن سياساته العملية تعمل يومياً على تفريغ الوكالة من قدرتها على البقاء، في ظل غياب أي دولة وأي أفق سياسي.
إن الأونروا ليست شركة خدمات، ولا عبئاً مالياً، بل عنوان سياسي لحق العودة، وتجسيد لمسؤولية المجتمع الدولي عن النكبة المستمرة. ومن يتلاعب بها، أو يُضعفها، أو يُفرغها من مضمونها، لا يعتدي على مؤسسة فحسب، بل يشارك فعلياً في محاولة شطب قضية شعب بأكمله من جدول أعمال العالم. لذلك فإن ما يقوم به المفوض العام اليوم لا يمكن وصفه إلا كدور خطير يضعه في مواجهة مباشرة مع ملايين اللاجئين، ومع التاريخ، ومع أبسط معايير الأخلاق الإنسانية.
إن تفكيك الأونروا من الداخل، في هذا التوقيت بالذات، ليس خطأً إدارياً ولا سوء تقدير، بل جريمة سياسية موصوفة، تسير بالتوازي مع حرب الإبادة والتهجير والتجويع، وتكملها على المستوى الدولي. ومن يقود هذا المسار، أياً كانت نواياه المعلنة، يتحمّل كامل المسؤولية عن إدراج اسمه في السجل الأسود لمعاداة الإنسانية، لأنه اختار أن يكون جزءاً من الحل الإسرائيلي لقضية اللاجئين، لا جزءاً من الدفاع عن حقوقهم غير القابلة للتصرّف