شتاء غزة… حين يتجمّد ضمير العالم

يناير 10, 2026

في غزة، لا يأتي الشتاء كفصلٍ عابر، بل كعقوبة إضافية تُلقى على شعبٍ أنهكته الحرب والحصار. هنا، يجتمع برد الشتاء القارس مع غرق خيام ومراكز إيواء النازحين بمياه الأمطار، ويتقاطع مع خطر البيوت الآيلة للسقوط تحت وطأة القصف الإسرائيلي المتواصل، الذي لا يكتفي بتدمير ما تبقى من منازل المواطنين وممتلكاتهم، بل يواصل حصد الأرواح قتلاً وجوعًا وبردًا، أمام صمتٍ دولي يزداد قسوة، وعالمٍ يصرّ على خلع إنسانيته قطعةً قطعة.
في غزة، لا يختبئ الأطفال من المطر داخل بيوتٍ دافئة، بل يتقاسمون الخوف مع ذويهم تحت أقمشة مهترئة لا تقي بردًا ولا تمنع الغرق. لاجئون داخل وطنهم، يواجهون الشتاء بأجسادٍ مرتجفة، وبطونٍ خاوية، وسماءٍ لا تمطر رحمة بل تزيد المعاناة قسوة. كل قطرة ماء تتحول إلى تهديد، وكل ليلة باردة قد تكون الأخيرة لطفلٍ أو مسنٍّ لم يحتمل جسده الهزيل اختبار الصمود القسري.
القصف الإسرائيلي لا يتوقف، وكأن الحرب قررت أن تتحدى الفصول، وأن تحاصر غزة حتى في لحظات المطر. بيوتٌ مدمرة، أحياءٌ سويت بالأرض، وبنية تحتية منهارة لا تقوى على تصريف مياه الأمطار، فيما تتحول مراكز الإيواء إلى مصائد للموت البطيء. ومع ذلك، يواصل العالم إدارة ظهره، وكأن مشاهد الغرق والبرد والجوع لا تستحق أكثر من بيانات باردة تشبه طقس المؤتمرات الدولية.
شتاء غزة ليس أزمة طقس، بل مرآة فاضحة لانهيار القيم الإنسانية. هو اختبار لضمير البشرية الذي تجمّد قبل أن تتجمّد مياه الأمطار، ورفض أن يمنح الصغار قبل الكبار لحظة دفء واحدة. اختبارٌ يفشل فيه المجتمع الدولي مرةً بعد مرة، حين يساوي بين الجلاد والضحية، وحين يبرر الجريمة بالصمت أو بالتواطؤ.
في غزة، لا يطلب الناس المستحيل. يطلبون فقط حقهم في الحياة، في الأمان، في سقفٍ يحمي أبناءهم من المطر، وفي شتاءٍ لا يتحول إلى سلاحٍ إضافي في حرب الإبادة. لكن حتى هذا الحد الأدنى من الإنسانية يبدو أثقل من أن يتحمله عالمٌ اعتاد مشاهدة المأساة من خلف الشاشات، دون أن يهتز له جفن.
سيأتي الربيع يومًا، لكن السؤال الذي سيبقى معلّقًا: كم من الأرواح ستُدفن تحت الركام والبرد قبل أن يستيقظ ضمير العالم؟